فهرس الكتاب

الصفحة 3752 من 6606

أجابوا عنه من وجوه

الوجه الأول قال عطاء الخرساني المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها وسائر أنواع الثياب أشرف إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع الأول لأنه كان إلفتهم بها أشد واعتيادهم للبسها أكثر ولذلك قال وينزل من السماء من جبال فيها برد النور 43 لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه

والوجه الثاني في الجواب قال المبرد إذا ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضا البرد وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعا للشعور بالآخر كان ذكر أحدهما مغنيا غن ذكر الآخر

والوجه الثالث قال الزجاج ما وقى من الحر وقى من البرد فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر

فإن قيل هذا بالضد أولى لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف زيادة وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكلف زائد

قلنا القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص نافعا للبرد فصح ما ذكرناه وقوله وسرابيل تقيكم بأسكم يعني دروع الحديد ومعنى البأس الشدة ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي

واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال كذلك يتم نعمته عليكم أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم لعلكم تسلمون قال ابن عباس لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه ونقل عن ابن عباس أنه قرأ لعلكم تسلمون بفتح التاء والمعنى أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله

ثم قال تعالى فإن تولوا فإنما عليكم البلاغ المبين أي فإن تولوا يا محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وذلك نهاية في كفران النعمة

فإن قيل ما معنى ثم

قلنا الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر وفي المراد بهذه النعمة وجوه الأول قال القاضي المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ومعنى أنهم انكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى ولأنهم قالوا إنما حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام والثاني أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حق ثم ينكرونها ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء 107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت