فهرس الكتاب
هذه النية كان ملومًا وعفو الله متوقع
البحث الثاني لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئًا منها وما أراد إلا ذلك المعنى فههنا يتعين إما التزام الكذب وإما تعريض النفس للقتل فمن الناس من قال يباح له الكذب هنا ومنهم من يقول ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي قال لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبًا فوجب أن يقبح على كل حال ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى
المسألة السادسة أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر ويدل عليه وجوه أحدها أنا روينا أن بلالًا صبر على ذلك العذاب وكان يقول أحد أحد ولم يقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بئيس ما صنعت بل عظمه عليه فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر وثانيها ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما ما قتلو في محمد فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ما تقول في قال أنت أيضًا فخلاه وقال للآخر ما تقول في محمد قال رسول الله قال ما تقول في قال أنا أصم فأعاد عليه ثلاثًا فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ( أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له ) وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين الأول أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة والثاني أنه عظم حال من أمسك عنه حتى فتل وثالثها أن بذل النفس في تقرير الحق أشق فوجب أن يكون أكثر ثوابًا لقوله عليه السلام ( أفضل العبادات أحمزها ) أي أشقها ورابعها أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة فوجب أن يكون حال الأول أفضل والله أعلم
المسألة السابعة اعلم أن للإكراه مراتب
المرتبة الأولى أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى فوجب أن يجب لقوله تعالى وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة ِ ( البقرة 195 )
المرتبة الثانية أن يصير ذلك الفعل مباحًا ولا يصير واجبًا ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه
المرتبة الثالثة أن لا يجب ولا يباح بل يحرم وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا قال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان الأول أنه قتله عمدًا عدوانًا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى الْمُتَّقُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ( البقرة 178 ) والثاني أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرًا كان أولى والله أعلم