فهرس الكتاب
هو وهذا في معنى قول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ( أرنا الأشياء كما هي ) واعلم أن شرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب والاستماع مقدمة الفهم الحاصل من سماع الكلا فالله تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية وهي فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى فقال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى ولما آل الأمر إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قيل له وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا ( طه 114 ) والعلم هو المقصود فلما كان موسى عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لا جرم أعطى المقدمة ولما كان محمد كالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ما أدق حكمته في كل شيء وسادسها الداعي له صفتان إحداهما أن يكون عبدًا للرب وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ( البقرة 186 ) وثانيتهما أن يكون الرب له وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ( غافر 60 ) أضاف نفسه إلينا وما أضافنا إلى نفسه والمشتغل بالدعاء قد صار كاملًا من هذين الوجهين فأراد موسى عليه السلام أن يرتع في هذا البستان فقال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وسابعها أن موسى عليه السلام شرفه الله تعالى بقوله وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ( مريم 52 ) فكأن موسى عليه السلام قال إلهي لما قلت وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا صرت قريبًا منك ولكن أريد قربك مني فقال يا موسى أما سمعت قولي وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ فأشتغل بالدعاء حتى أصير قريبًا منك فعند ذلك قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وثامنها قال موسى عليه السلام رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وقال لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( الشرح 1 ) ثم إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة بل قال وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ( الأحزاب 46 ) فانظر إلى التفاوت فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلًا للنور والسراج المنير هو أن يعطي النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) كالتفاوت بين الآخذ والمعطي ثم نقول إلهنا إن ديننا وهي كلمة لا إله إلا الله نور والوضوء نور والصلاة نور والقبر نور والجنة نور فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تحرمنا أنوار فضلك وإحسانك يوم القيامة الفصل الرابع في قوله رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن شرح الصدر فقال نور يقذف في القلب فقيل وما أمارته فقال التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل النزول ويدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مّن رَّبّهِ ( الزمر 22 ) واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدها وصف ذاته بالنور اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ( النور 35 ) وثانيها الرسول قَدْ جَاءكُمْ مّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ( المائدة 15 ) وثالثها القرآن وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ ( الأعراف 157 ) ورابعها الإيمان يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ( التوبة 32 ) وخامسها عدل الله وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبّهَا ( الزمر 69 ) وسادسها ضياء القمر وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ( نوح 16 ) وسابعها النهار وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ( الأنعام 1 ) وثامنها البينات إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاة َ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ( المائدة 44 ) وتاسعها الأنبياء نُّورٌ عَلَى نُورٍ ( النور 35 ) وعاشرها المعرفة مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة ٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ( النور 35 ) إذا ثبت هذا فنقول كأن موسى عليه السلام قال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك وثانيها رب اشرح لي صدري بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك وثالثها رب اشرح لي صدري باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك ورابعها رب اشرح لي صدري بنور الإيمان