فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 6606

لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به وثانيها ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص

المسألة الرابعة أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علمًا وعملًا بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئًا كثيرًا من المعاني لأن قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ( البقرة 38 ) ( طه 123 ) دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن وجميع قوله فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ( البقرة 38 ) تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( البقرة 38 ) جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاْكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَئِكَة ُ هَاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ( الأنبياء 103 ) وقال قوم من المتكلمين إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضًا إلى المؤمنين لقوله تعالى يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة ٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ( الحج 2 ) وأيضًا فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن بل ربما كان زائدًا في الالتذاذ بما يجده من النعيم وهذا ضعيف لأن قوله لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاْكْبَرُ أخص من قوله يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة ٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ والخاص مقدم على العام وقال ابن زيد لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت فأمنهم الله تعالى منه ثم سلاهم عن الدنيا فقال وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقًا في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين قال عليه الصلاة والسلام ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) وأيضًا فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضًا فخوف سوء العاقبة حاصل قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( فاطر 43 ) أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن

المسألة الخامسة قال القاضي قوله تعالى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت