فهرس الكتاب
المعتادة فهما سبب مجازًا والله تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة وسبب بقائه بالإعادة للسعادة فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه ثم قال تعالى وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا فقوله مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني التقليد في الإيمان ليس بجيد فضلًا عن التقليد في الكفر فإذا امتنع الإنسان من التقليد فيه ولا يطيع بغير العلم لا يطيعهما أصلًا لأن العلم بصحة قولهما محال الحصول فإذا لم يشرك تقليدًا ويستحيل الشرك مع العلم فالشرك لا يحصل منه قط
ثم قال تعالى إِلَى َّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يعني عاقبتكم ومآلكم إلي وإن كان اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد والأقارب والعشائر ولا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعة وحضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضي من تدوم معه صحبته لرضا من يتركه في زمان آخر
ثم قوله تعالى فَأُنَبِئُكُم فيه لطيفة وهي أن الله تعالى يقول لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتمادًا على غيبتي وعدم علمي بمخالفتكم إياي فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون ولا أنسى فأنبئكم بجميعه
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصَّالِحِينَ
وفي الآية مسائل
المسألة الأولى ما الفائدة في إعادة الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مرة أخرى نقول الله تعالى ذكر من المكلفين قسمين مهتديًا وضالًا بقوله فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ( العنكبوت 3 ) وذكر حال الضال مجملًا وحال المهتدي مفصلًا بقوله وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ولما تمم ذلك ذكر قسمين آخرين هاديًا ومضلًا فقوله وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ( العنكبوت 8 ) يقتضي أن يهتدي بهما وقوله وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بيان إضلالهما وقوله إِلَى َّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بطريق الإجمال تهديد المضل وقوله وَالَّذِينَ ءامَنُواْ على سبيل التفصيل وعد الهادي فذكر الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مرة لبيان حال المهتدي ومرة أخرى لبيان حال الهادي والذي يدل عليه هو أنه قال أولًا لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وقال ثانيًا لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصَّالِحِينَ والصالحون هم الهداة لأنه مرتبة الأنبياء ولهذا قال كثير من الأنبياء وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ ( يوسف 101 )
المسألة الثانية قد ذكرنا أن الصالح باق والصالحون باقون وبقاؤهم ليس بأنفسهم بل بأعمالهم الباقية فأعمالهم باقية والمعمول له وهو وجه الله باق والعاملون باقون ببقاء أعمالهم وهذا على خلاف الأمور الدنيوية فإن في الدنيا بقاء الفعل بالفاعل وفي الآخرة بقاء الفاعل بالفعل
المسألة الثالثة قيل في معنى قوله لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصَّالِحِينَ لندخلنهم في مقام الصالحين أو في دار الصالحين والأولى أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل يدخلهم في الصالحين أي يجعلهم منهم ويدخلهم في عدادهم كما يقال الفقيه داخل في العلماء