فهرس الكتاب
اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك فلا يحصل مصلحة البقاء فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة
المسألة الثالثة الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة ً ( الإسراء 32 ) واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه فما شرع زاجرًا هناك يشرع زاجرًا ههنا وهذا وإن كان قياسًا إلا أن جامعه مستفاد من الآية ووجه آخر وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلًا فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلًا وهو الرجم وقوله مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ يحتمل وجهين أحدهما أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر والثاني أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه فقال لهم ما سبقكم بها من أحد كما يقال إن فلانًا سبق البخلاء في البخل وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ثم قال تعالى أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ بيانًا لما ذكرنا يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى أَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَة ً مّن دُونِ النّسَاء ( ) يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار وقوله فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ في التفسير كقوله في قصة إبراهيم وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ وفي الآية مسائل
المسألة الأولى قال قوم إبراهيم اقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ ( العنكبوت 24 ) وقال قوم لوط ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ وما هددوه مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط فإن لوطًا كان من قومه فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى والقدح في الدين صعب فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب فإن كنت صادقًا فأتنا بالعذاب فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ ( النمل 56 ) وقال ههنا فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتِنَا فكيف الجمع فنقول لوط كان ثابتًا على الإرشاد مكررًا عليهم التغيير والنهي والوعيد فقالوا أولا ائتنا ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ثم إن لوطًا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله فَقَالَ رَبّ انصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ فإن الله لا يحب المفسدين حتى ينجز النصر
واعلم أن نبيًا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم كما قال نوح إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا ( نوح 27 ) يعني المصلحلة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا