فهرس الكتاب
اتسع ذرعه ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه في أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف علينا ولا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فإن مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه ويزول روعه وفي الآية مسائل
المسألة الأولى أنه تعالى قال من قبل وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْراهِيمَ ( العنكبوت 31 ) وقال ههنا وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا فما الحكمة فيه فنقول حكمة بالغة وهي أن الواقع في وقت المجىء هناك قول الملائكة أَنَاْ وهو لم يكن متصلًا بمجيئهم لأنهم بشروا أولًا ولبثوا ثم قالوا إنا مهلكوا وأيضًا فالتأني واللبث بعد المجىء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجىء به والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئًا من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير إذا علم هذا فقوله ههنا الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا يفيد الاتصال يعني خاف حين المجىء فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود وقال وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا من غير أن فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرَى فقوله هنالك وَلَقَدْ جَاءتْ لا يدل على أن قولهم أَنَّا أَرْسَلْنَا كان في وقت المجىء وقوله وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىء بِهِمْ دل على أن حزنه كان وقت المجىء إذا علم هذا فنقول هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرَى ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام ثم قالوا لاَ تَخَفْ ولا تحزن إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ فحصل تأخير الإنذار وبقوله في حكاية لوط وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا حصل بيان تعجيل الحزن وأما هنا لما قال في قصة إبراهيم وَلَمَّا جَاءتْ قال في حكاية لوط وَلَمَّا أَن جَاءتْ لما ذكرنا من الفائدة
المسألة الثانية قال هنا إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ وقال لإبراهيم لَنُنَجّيَنَّهُ بصيغة الفعل فهل فيه فائدة قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها وما أوتي البشر من العلم إلا قليلًا والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم إِنَّ فِيهَا لُوطًا وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا إِنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى إِنَّكَ مَيّتٌ ( الزمر 30 ) لضرورة وقوعه
المسألة الثالثة قولهم لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ لا يناسبه إِنَّا مُنَجُّوكَ لأن خوفه ما كان على نفسه نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن وهي أن لوطًا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ
المسألة الرابعة القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت واحدة منهم ثم إنهم بعد بشارة