فهرس الكتاب

الصفحة 5246 من 6606

( الشعراء 4 ) ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما الخوف الشديد وهو المراد من قوله إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ والثاني العجز عن الكلام وهو المراد من قوله كَاظِمِينَ فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون أما إذا لم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه

المسألة الثالثة احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب

ولا ترى الضب بها ينجحر

ولفط الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالًا من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني في الجواب أن المراد من الظالمين ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن يكون مختصًا بهم وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار والثالث أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق وإما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفًا بهذه الصفة وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار أجاب المستدلون عن السؤال الأول فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالًا من المطاع وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلومًا بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجًا لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر

رب من أنضجت غيظًا صدره

قد تمنى لي موتًا لم يطع أما السؤال الثاني فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

أما السؤال الثالث فجوابه أن قوله مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال

أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ( البقرة 255 ) فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة وهذا نوع طاعة فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت