فهرس الكتاب
وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التريف أن ينصرف إلى المعهود السابق فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع وكان هناك معهود سابق انصرف إليه وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ يحتمل عموم السلب ويحتمل سلب العموم أما الأول فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع وأما الثاني فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الطالمين ليس لهم حميم ولا شفيع ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ( البقرة 6 ) فقوله إن الذين كفروا لا يؤمنون إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله لأن كثيرًا ممن كفر فقد آمن بعد ذلك أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب
المسألة الرابعة في بيان نظم الآية فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف حتى قيل إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة والثاني قوله إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعًا من دخول النفس والثالث قوله كَاظِمِينَ والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب الرابع قوله مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته والخامس قوله يَعْلَمُ خَائِنَة َ الاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديدًا جدًا قال صاحب ( الكشاف ) الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة كالعافية المعاناة والمراد استراق النظر إلى ما لا يحلة كما يفعل أهل الريب والمراد بقوله وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ مضمرات القلوب والحاصل أن الأفعال قسمان أفعال الجوارح وأفعال القلوب أما أفعال الجوارح فأخفاها خائنة الأعين والله أعلم بها فكيف الحال في سائر الأعمال وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ فدل هذا على كونه تعالى عالمًا بجميع أفعالهم السادس قوله تعالى وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقّ وهذا أيضًا يوجب عظم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالمًا بجميع الأحوالل وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام وقد بيّن الله تعالى أنه لا فائدة فيها ألبتة فقال وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَى ْء الثامن قوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم ولا يبصر خضوعهم