فهرس الكتاب
إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ وَمَا يَسْتَوِى الاٌّ عْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِى ءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ إِنَّ السَّاعَة َ لاّتِيَة ٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدىء ردًا على الذين يجادلون في آيات الله واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع ثم إنه تعالى نبّه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة فقال إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل ولذك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك لأن النبوّة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة
ثم قال تعالى مَّا هُم بِبَالِغِيهِ يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد بل لا بدّ وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ثم قال فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ بما يقولون أو تقول البَصِيرُ بما تعمل ويعملون فهو يجعلك نافذ الحكمم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم
واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالًا فقال لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله وثالثها أن يقال لما قدر على الأقوى الأكملل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو الله سبحانه وتعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرًا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولًا فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب ولما بيّن