فهرس الكتاب
الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون نبّه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال وَمَا يَسْتَوِى الاْعْمَى وَالْبَصِيرُ يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ثم قال وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِىء فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة ثم قال قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ يعني أنهم وإن كان يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلًا ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد فإن الحسد يعمي قلوبهم فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة فهذا هو المراد من قوله قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ قرأ عاصم وحمزة والكسائي تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على الخطاب أي قل لهم قليلًا ما تتذكرون والباقون بالياء على الغيبة
ولما قرر الديل الدال على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بأن أخبر عن وقوعها ودخولها في الوجود فقال إِنَّ السَّاعَة َ لاَتِيَة ٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة
وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَى ْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِأايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
اعلم أنه تعاللى لما بيّن أن القوم بالقيامة حق وصدق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ واختلف الناس في المراد بقوله ادْعُونِى فقيل إنه الأمر بالدعاء وقيم إنه الأمر بالعبادة بدليل أنه قال بعده الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق اللعبادة لما بقي لقوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى معنى وأيضًا الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا