فهرس الكتاب
( النساء 117 ) وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى اللعبادة كثير في القرآن بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل فإن قيل كيف قال ادْعُونِى اسَتُجِيبَ لَكُمْ وقد يدعى كثيرًا فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال الدعاء إنما يصح على شرط ومن دعا كذلك استجيب له وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة ثم سأل نفسه فقال فما هو أصلح يفعله بلا دعاء فما الفائدة في الدعاءا وأجاب عنه من وجهين الأول أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني أن هذا أيضًا وارد على الكل لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله فلا فائدة في الدعاء وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله فلا فائدة في الدعاء وكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا هذا تمام ما ذكره وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال ادْعُونِى اسَتُجِيبَ لَكُمْ فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان أما بالقلب فإنه معولل في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله فالظاهر أنه تحصل الاستجابة إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولًا عند الله ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت واعلم أن الكلام السمتقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة
ثم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء فإن قيل روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال حكاية عن رب العزة أنه قال مِنْ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِالْعَشِى ّ وَالاْبْكَارِ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ وَمَا يَسْتَوِى الاْعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِىء قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ إِنَّ السَّاعَة َ لاَتِيَة ٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين الأول كأنه تعالى قال إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة ومن أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني أنه تعالى لما أمر بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقًا بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر وقد ذكر الله تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته إما فلكية وإما عنصرية أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها تعاقب الليل والنهار و ( لما ) كان أكثر مصالح العالم مربوطًا بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام وبيّن أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين الأول أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف وذلك يوجب التألم والثاني أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال