فهرس الكتاب

الصفحة 5273 من 6606

الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء وأيضًا الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وأما قوله وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة وتلك الأعمال تصرفات في أمور وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه فهذا هو الحكمة في قوله وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو فجعل لكم الليل ساكنًا ولكنه لم يقل كذلك بل قالل في الليل لتسكنوا فيه وقال في النهار مبصرًا فما الفائدة فيه وأيضًا فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل قلنا أما الجواب عن الأول فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات أما اليقظة فأمور وجودية وهي مقصودة بالذات وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في ( دلائل الإعجاز ) أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما فهذا هو السبب في هذا الفرق والله أعلم وأما الجواب عن الثاني فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ( الأنعام 1 )

واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ والمراد أن فضل الله على الخلق كثيرًا جدًا ولكنهم لا يشكرونه وأعلم أن ترك الشكر لوجوه أحدها أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها فحينئذٍ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله وثانيها أن الرجل وءن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة فحينئذٍ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء ورأيت بعض الملوك كان يمعذب بعض خدمه بأن أمر أقوامًا حتى ينمعونه عن الإستناد إلى الجدار وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب وثالثها أن الرجل وإن كان عارفًا بمواقع هذه النعم إلا أنه يكون حريصًا على الدنيا محبًا للمال والجاه فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة ولما كان أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها لا جرم قال تعالى وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ونظيره قوله تعالى وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِى َ الشَّكُورُ ( سبأ 13 ) وقول إبليس وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ( لأعراف 17 ) ولما بيّن الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر الرحيم الحكيم قال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلّ شَى ْء لاَّ إله إِلاَّ هُوَ قال صاحب ( الكشاف ) ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت