فهرس الكتاب

الصفحة 5275 من 6606

الدلائل الخمسة اثنين من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وتفسير بتارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات ثم قال هُوَ الْحَى ُّ لاَ إله إِلاَّ هُوَ وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعًا ذاتيًا وحينئذٍ لا حي إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم

واعلم أن الحي عبارة عن الدارك الفعال والدارك إشارة إلى العلم التام والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي الوحدانية بقوله لا إله إلا هو ولما وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها بالدعاء والثاني بالإخلاص فيه فقال فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ ثم قال دالحمد لله رب العالمين فيجوز أن يكون المراد قول فيجوز أن يكون المراد قول الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفًا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولماب يّن صفات الجلال والعظمة قال قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فأورد ذلك على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان وبيّن أن وجه النهي في ذلك ما جاءه من البينات وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفًا بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليف إلا به وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل

ولما بيّن أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ الْعَالَمِينَ وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه ألا الأفضل الأكمل فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله ولإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه ثم قال هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ

واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه لآية أربعة الليل والنهار والأرض والسماء وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة والمذكور ههنا منها ثلاثة أنواع الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات

وأما القسم الثاني وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينًا إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَة ٍ فقيل المراد آدم وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما تيولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبت إنما يكون من التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم فالله تعالى ترك ذكرها ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الأبيات

واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها كونه طفلًا وثانيها أن يبلغ أشده وثالثها الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت