فهرس الكتاب
ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفيه مسألتان
المسألة الأولى يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ ما واسيتني بمالك والأبوان يقولان قصرت في برنا والصاحبة تقول أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا وقيل أول من يفر من أخيه هابيل ومن أبويه إبراهيم ومن صاحبته نوح ولوط ومن ابنه نوح ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه وهو كقوله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا البقرة 166 وأما الفرار من نصرته وهو كقوله تعالى يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا الدخان 41 وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى ولا يسأل حميم حميما المعارج 10
المسألة الثانية المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم فإنه يفر منهم في دار الآخرة ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد لأن تعلق القلب بهما من تعلقه بالأبوين
ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وفي قوله يغنيه وجهان الأول قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد سيغنيك حرب بني مالك
عن الفحش والجهل في المحفل
أي سيشغلك ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه الثاني قال أهل المعاني يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره فلم يبق فيه متسع لهم آخر فصار شبيها بالغني في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة مسفرة مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء وعن ابن عباس من قيام الليل لما روي من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وعن الضحاك من آثار الوضوء وقيل من طول ما اغبرت في سبيل الله وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة قال الكلبي يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه واعلم أن قوله مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم