فهرس الكتاب

الصفحة 6287 من 6606

ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفيه مسألتان

المسألة الأولى يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ ما واسيتني بمالك والأبوان يقولان قصرت في برنا والصاحبة تقول أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا وقيل أول من يفر من أخيه هابيل ومن أبويه إبراهيم ومن صاحبته نوح ولوط ومن ابنه نوح ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه وهو كقوله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا البقرة 166 وأما الفرار من نصرته وهو كقوله تعالى يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا الدخان 41 وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى ولا يسأل حميم حميما المعارج 10

المسألة الثانية المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم فإنه يفر منهم في دار الآخرة ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد لأن تعلق القلب بهما من تعلقه بالأبوين

ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وفي قوله يغنيه وجهان الأول قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد سيغنيك حرب بني مالك

عن الفحش والجهل في المحفل

أي سيشغلك ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه الثاني قال أهل المعاني يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره فلم يبق فيه متسع لهم آخر فصار شبيها بالغني في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير

واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة مسفرة مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء وعن ابن عباس من قيام الليل لما روي من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وعن الضحاك من آثار الوضوء وقيل من طول ما اغبرت في سبيل الله وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة قال الكلبي يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه واعلم أن قوله مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت