الصفحة 14 من 792

هل من مُنِيبٍ يُخاصِمُهُ كخِصَامِ مَن إذا خاصمَ فَجَرَ، وإذا شاتَمَ هَجَرَ، وإذا أجاب مَكَرَ، وإذا أَنَابَ غَدَرَ؟

ولمَّا وصلَ هذا النداءُ والأذانُ، بهذه الكلمات بالجهرِ والإعلانِ إلى كلِّ فجٍّ عميقٍ، وكلِّ بيتٍ عتيقٍ، أجاب جمع من الأنصارِ بالتَّلبيةِ قائلين: لبَّيك يا أيُّها المنادي للتَّسْليةِ، وقام واحدٌ منهم ممن يُوسَمُ بالعلمِ والكمالِ، ويُرْسَمُ بالحلمِ والجمالِ، فتقمَّصَ بقُمص (1) الإختفاءِ، وتلبَّسَ بفُرشِ (2) الإعتداء، فشدَّ الرَّحلَ إلى هذا العَمل، راكبًا كلَّ ضامرٍ (3) ، سابقًا على كل عابرٍ (4) ، وأنشد ما أنشدَه الحَرِيريّ (5) في (( مقاماتهِ ) ) (6) ، في أثناءِ حكاياته.

لزمتُ السِّفارَ، وجُبْتُ القِفَارَ

وعِفْتُ النِّفار (7) ؛ لأجني الفرَحَ

وخُضتُ السُّيولَ، ورُضْتُ الخيولَ

لجرِّ ذيول الصِّبى والمَرَح (8)

ومِطتُ الوَقار، وبِعتُ العقار

لحسو العُقار، ورشفِ القدحِ

وقال لشركائِهِ وأحزابِهِ: يا أيُّها الإخوانُ والأخدانُ: إنَّا أُطروفةُ الزَّمان، وأُعجوبةُ الأوان، أنا الذي وصفَهُ الحَرِيري في (( مقاماتهِ ) ) (9) بقولِهِ:

أنا أطروفةُ الزَّمانِ

وأعجوبةُ الأُمَّمِ

(1) جمع قميص.أ.

(2) جمع فراش.أ.

(3) ناقة ضامر: وفرس أيضًا إن تعلفه حتى يسمن ثم تردّه إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا. (( مختار ) ) (ص384) .

(4) مسافرٍ.أ.

(5) هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري، أبو مُحَمَّد، نسبته إلى عمل الحرير أو بيعه، من مؤلفاته: (( مقامات الحريري ) )وسمَّاه (( مقامات السروجي ) )، و (( درة الغواص في أوهام الخواص ) )، و (( توشيح البيان ) )، (446-516هـ) . (( وفيات ) ) (4: 63) ، (( النجوم الزاهرة ) ) (5: 225) ، (( الأعلام ) ) (6: 12) .

(6) في المقامة الثانية والعشرين.أ.

(7) في (( المقامات ) ) (ص42) : (( الغفار ) ).

(8) انتهى من (( مقامات الحرير ) ) (ص42-43) .

(9) في المقامة الثانية عشر.أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت