الصفحة 489 من 792

قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ):

الثَّمانونَ: ذكرَ (1) في الفصلِ الخامسِ من البابِ الأوَّل: اعلم أنَّ الأئمَّةَ المجتهدينَ تفاوتوا في الإكثارِ من هذه الصِّناعةِ والإقلال؛ فأبو حنيفةَ يقالَ بلغتْ رواياتُهُ إلى سبعةَ عشرَ حديثًا… إلخ.

وهذا وإن كانَ مذكورًا في (( مقدِّمةِ ابنِ خلدونَ ) ) (2) ، وأخذَ كلامَهُ هاهنا بتمامِه، ونقلَهُ برمَّتِه، لكنَّهُ قولٌ مردودٌ، والظَّاهرُ أنَّهُ ليس من ابن خلدون، بل من غلطِ الكُتَّابِ… إلخ (3) .

قال ناصرُكَ المختفي: لا نُسَلِّمُ بطلانَ هذا القولِ، ومَن يدَّعي فعليه البيان.

أقولُ: على الخبيرِ سقطتَ، وعن البصيرِ سألتَ: ولستُ أنا بحمدِ اللهِ ممَّن يدَّعي الدَّعاوي العريضةَ، وعند طلبِ الدَّليلِ عنه يسكتُ ويتحيَّر، ويصمتُ ويَتَبَخْتَر، وينطقُ بالكلماتِ السَّخيفةِ، وإنِّي وإن كنتُ فرغتُ عن هذا في مقدِّمةِ تعليقي المختصرِ المتعلِّقِ بـ (( شرحِ الوقايةِ ) ) (4) المُسمَّى بـ (( عمدةِ الرِّعايةِ ) )، فقد ذكرتُ فيها أدِّلَةً كثيرةً على بطلانِ هذه الجملةِ السَّخيفةِ، لكن لا عليَّ أن أذكرَ نُبَذًا منه هاهنا مع فوائدَ مفيدة، كالدُّرَرِ الفريدة، تُحَصِّلُ الاستغناء، وتَدْفَعُ عن خلقِ اللهِ الشَّرَّ والعَناء.

فاعلمْ أنَّ الأمورَ التَّاريخيَّةَ المندرجةَ في الكتبِ التَّاريخيَّةِ، لا بُدَّ أن تُوزَنَ بميزانِ العقولِ، ولا يُسْرَعُ في الرَّدِ والقَبولِ، فلا يُؤمَنُ بكلِّ ما في دفاترِ المؤرِّخينَ، وزُبُرِ النَّاقلينَ من غيرِ تأمَّلٍ وتفكُّرٍ، وتذكُّرٍ وتبصُّر، إلاَّ الجَهولَ الغَفولَ المشبَّه بمَن ليس من ذوي العقول، ومَن ليسَ له تعلُّقٌ بالمعقولِ والمنقولِ، ومَن ليسَ له إدراكَ الحاصلِ والمحصول.

(1) أي القنوجي في (( الحطة ) ) (ص79) .

(2) مقدمة ابن خلدون )) (ص311) .

(3) انتهى من (( إبراز الغي ) ) (ص79-80) .

(4) مقدمة العمدة )) (1: 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت