وقد نبَّهَ على ذلكِ ابنُ خلدون، صاحبَ تلكِ الهفوةِ بنفسِهِ في مواضعَ من (( المقدِّمةِ ) ) (1) .
إذا انتقشَ هذا على صحيفةِ خاطرِك فاعرفْ أنَّ لنا أدلَّةً قطعيَّةً عقليَّةً ونقليَّةً على أنَّ تلكَ الجملةِ، وهيَ: إنَّ أبا حنيفةَ بلغتْ رواياتُهُ إلى سبعةَ عشرَ من الجملِ الرَّديَّةِ، والكَلِمِ الشَّقيَّةِ، فهيَ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثَّتْ من فوقِ الأرضِ، مالها من قرار، أو كبنيانٍ أُسِّسَ على شَفَا جُرفٍ هَار، وأنَّهُ لا شَكَّ في كونِهِا زَلَّةً فاحشة، وذِلَّةً فاضحة، لا يُصَدِّقُ بها أربابُ الأفهامِ العاليةِ، ولا يَتَرَدَّدُ في بطلانِها إلاّ أصحاب الأوهامِ الواهية.
لهُ حجَّةٌ في حبِّهِ ودلائل
وهل يستوي ودُّ المقلِّدِ والذي
(1) قال ابن خلدون في (( مقدمته ) ) (ص7) : الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرَّدِ النقل، ولم تحكَّمْ أصولُ العادة، وقواعدُ السياسة، وطبيعةُ العمران والأحوالُ في الاجتماعِ الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضرُ بالذاهب، فرُبَّما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلّة القدمِ والحيد عن جادّةِ الصدق، وكثيرًا ما وقعَ للمؤرِّخين والمفسِّرين وأئمّة النقل المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل غثًّا أو سمينًا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلُّوا عن الحقّ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في احصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنّة الكذب، ومطيَّة الهذر، ولا بُدّ من عرضِها على الأصول، وعرضِها على القواعد.