الدَّليلُ الأوَّل: قولُ ابنِ خلدونَ نفسِهِ في موضعٍ آخرَ من (( مقدَّمَتِه ) ): قد تقوَّلَ بعضُ المتعصِّبينَ (1) أنَّ منهم مَن كان قليلَ البضاعةِ في الحديثِ، ولا سبيلَ إلى هذا المعتقدِ في كبارِ الأئمَّة؛ لأنَّ الشَّريعةَ إنَّما تؤخذُ من الكتابِ والسُّنَّة، ومَن كان قليلَ الحديثِ فيتعيَّنُ عليه طلبُهُ وروايتُه، والجدُّ والتَّشميرُ في ذلك؛ ليأخذَ عن أصولٍ صحيحة، ويتلقَّى الأحكامَ عن صاحِبِها المبلِّغِ لها، وإنَّما قلَّلَ منهم مَن قلَّلَ الرِّوايةَ لأجلِ المطاعنِ التي تعتريه، والعللِ التي تعرضُ في طريقِها. انتهى (2) .
وقولُهُ: الإمامُ أبو حنيفة إنَّما قلَّتْ روايتُهُ لَمَّا شدَّدَ في شروطِ الرِّوايةِ والتَّحملِ، وضَعَّفَ روايةَ الحديثِ اليقينِيِّ إذا عارضَها الفعلُ النَّفسِيّ، وقلَّتْ من أجلِ ذلك روايتُهُ فقلَّ حديثُهُ لا أنَّهُ تركَ روايةَ الحديثِ عمدًا. انتهى (3) .
وقوله: يدلُّ على أنَّهُ: يعني أبا حنيفةَ؛ من كبارِ المجتهدينَ في الحديثِ اعتمادُ مذهبِهِ فيما بينهم، والتَّعويلُ عليه، واعتبارُهُ ردًّا وقَبولًا، وأمَّا غيرُهُ من المحدِّثينَ، وهم الجمهورُ، فتوسَّعوا في الشُّروطِ فكَثُرَ حديثُهم، والكلُّ عن اجتهاد، وقد توسَّعَ أصحابُهُ من بعدِهِ في الشُّروطِ فكثرتْ رواياتُهُم، وروى الطَّحاويُّ فأكثرَ، وكتبَ مسندًا (4) . انتهى (5) .
(1) في (( المقدمة ) ) (ص312) : المبغضين المتسفين.
(2) من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص312) .
(3) من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص312) .
(4) أي الطحاوي رحمه الله، فله (( شرح معاني الآثار ) )، و (( مشكل الآثار ) )، وغيرها من الكتب التي حوت كثيرًا من الأحاديث، ولعلَّ ذلك هو مقصود ابن خلدون، والله أعلم.
(5) من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص312) .