وما مثلَ تحريرِكَ أمثالَ هذا المقامِ إلا مثلَ ما حكيَ أنَّ السُّلطانَ عالمكيرَ حضرَ بمجلسِ رجلٍ اشتهرَ بالتَّقوى* والورعِ والكرامةِ، فقالَ لهُ ذلكَ الرَّجلُ في أثناءِ مكالماتِهِ: قد مضى في هذه الأمَّةِ سلطانانِ عظيما الشَّأنِ سكندر ذو القرنينِ ويزيدُ، فتبسَّمَ السُّلطانُ، وقال له بعضُ ندمائِهِ: لهذا الرَّجلِ ـ مع قطعِ النَّظرِ عن الكشفِ والكرامةِ ـ مهارةٌ تامَّةٌ في الفنونِ التَّاريخيَّةِ.
فظهرَ بمنطقِهِ جهلُهُ عندَ السُّلطانِ فمن دونَهُ.
قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ):
-السَّادِسُ والأَرْبَعُونَ -
ذَكَرَ بعد سطورٍ عديدةٍ ما معربُهُ أنَّهُ فَرَغَ (1) من تأليفِ (( الحصنِ ) )يومَ الأحدِ الثَّاني والعشرينَ من ذي الحجَّةِ سنةَ إحدى وتسعينَ وتسعمئةٍ.
وهذا أعجبُ من الأوَّلينِ (2) ؛ فأنَّهُ لمَّا كانتْ وفاتُهُ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ، فكيفَ يصحُّ لتمامِهِ (( الحصنَ ) )في السَّنةِ الحاديةِ والتِّسعينَ وتسعمئةٍ، ولعلَّهُ ظنَّ أنَّهُ صنَّفَهُ في قبرِهِ! (3)
قال ناصرُكَ المختفي: هذا تصحيفٌ من النَّاسخِ؛ فأنَّهُ كتبَ لفظَ تسعمئةٍ موضعَ سبعمئةٍ، وبينهما من شبهِ الصُّورةِ ما لا يخفى.
أقولُ: فألبسْهُ خِلْعةَ العزَّةِ، حيث اقتفى أثركَ في كثرةِ الزَّلةِ، وأكرمْهُ على حسبِ القدرةِ، حيثُ سعى في موافقةِ سيرتِهِ بسيرتِكَ في شدَّةِ الغفلةِ.
قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ): السَّابعُ والأربعونَ: هذا يدلُّ على أنَّهُ لم تتَّفقْ لهُ مطالعةُ (( الحصنِ ) )فضلًا عن استفادةِ بركاتِهِ؛ فإنَّ المؤلِّفَ بنفسِهِ صرَّحَ في آخرِهِ (4) أنَّهُ أتمَّهُ سنةَ إحدى وتسعينَ وسبعمئةٍ (5) .
(1) أي الجزري (ت833هـ) ، وقد سبقت ترجمته.
(2) وهما: الأول: أنه ذكر وفاته سنة (734هـ) ، والثاني: فراره من تيمور.
(3) انتهى من (( إبراز الغيِّ ) ) (ص ) .
(4) أي (( الحصن ) ) (ص249) .
(5) انتهى (( إبراز الغيِّ ) ) (ص ) .