قال ناصرُكَ المختفي: كلاهما غلطان؛ فإنَّهُ ـ مدَّ ظلُّهُ ـ طالعَهُ واستفادَ منهُ… إلخ.
أقولُ: هذا عجبٌ عجيبٌ، يتعجَّبُ منهُ كلُّ لبيبٍ؛ فإنَّكَ عصمَكَ اللهُ عن غفلتِكَ لَمَّا حَصَلَتْ لكَ مطالعةُ (( الحصنِ ) )، والاستفادةِ منهُ، فَلِمَ حكمتَ بموتِهِ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ؟! فإنَّ مَن ماتَ في تلكَ السَّنةِ لا يمكنُ أن يتمَّ تصنيفَهُ سنةَ إحدى تسعينَ وتسعمئةٍ، إلاَّ أن يقالَ: إنَّهُ رصَّفَهُ في رمثِهِ، وألَّفَهُ في قبرِهِ.
فإن تخلَّصتَ بأنِّي قد كنتُ أعلمُ أنَّهُ أتمَّ (( الحصنَ ) )سنةَ إحدى وتسعينَ، وإنَّما أرَّختُ موتَهُ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ تقليدًا بصاحبِ (( كشفِ الظُّنونِ ) ) (1) .
قيل لك: حاشاكَ عن ذلك، ثمَّ حاشاكَ؛ فإنَّ مثلَ هذا التَّقليدِ مع مثلِ هذا العلمِ نوعٌ من الجنونِ، وللجنونِ فنونٌ.
وإن اعتذرتَ بأنِّي كنتُ قدْ نسيتُهُ، وصاحبُ النِّسيانِ معذورٌ.
قيل لك: إنَّما يكونُ معذورًا إذا صدرَ ذلكَ منهُ أحيانًا، لا مَن تواترَ عنهُ السَّهو والقصورُ، واللَّهو والفتورُ.
قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ):
-الثَّامِنُ وَالأَرْبَعُونَ -
ذَكَرَ بعدَ سطورٍ عديدةٍ أنَّ شرحَ (( الحصنِ ) )المُسمَّى بـ (( مفتاحِ الحصنِ الحصينِ ) )شرحٌ مفيدٌ لمؤلِّفِهِ، وفرغَ منهُ سنةَ إحدى وثلاثينَ وثمانمئةٍ، بعدَ تأليفِ (( الحصنِ ) )بأربعينَ سنةٍ.
وهذا يفضي إلى العجبِ على العجبِ؛ فإنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ سابقًا أنَّهُ فرغَ من تأليفِ (( الحصنِ ) )سنةَ إحدى وتسعينَ وتسعمئةٍ، وأنَّهُ ماتَ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ، فكيفَ يمكنُ فراغُهُ من تأليفِ (( شرحِ الحصنِ ) )بعد تأليفِ (( الحصن ) )نحوَ أربعينَ سنةٍ (2) .
(1) الكشف )) (1: 669) .
(2) انتهى من (( إبراز الغيِّ ) ) (ص ) .