ولعمري؛ لقد أتى بالعجبِ العُجابِ، يضحكُ عليه كلُّ صبيٍّ وشابٍّ، ويَبْكي على ضياعِ وَقْتهِ فيما لا يَنْفَعُهُ كلُّ مَن عُدَّ من أُولي الألبابِ.
وقد شَهِدَ كلُّ من اجْتَنَى ثمراتِ حديقةِ الفَهْمِ والكمالِ، واقْتَنَى بركاتِ غَديقةِ (1) العلمِ والجمالِ، إن مثل ذلك يشبِهُ أحاديثَ خُرافةٍ (2) ، لا يصدُرُ إلا ممن بَلَغَ عُمُرَ الخرافةِ، ووَلَغَ في إناءِ البطالةِ والجهالةِ، ولنِعْمَ ما قالَ بعضُ الكرامِ:
كانوا بني أمٍّ ففرَّقَ شملَهُم
عدمُ العقولِ وخِفَّةُ الأحلامِ
ولهذا لم أتعرضْ عند التَّعرضِ بأغلاطِ صاحبِ (( الإتحاف ) )بمثلِ هذا الاعتسافِ، فلو عددتُ أغلاطَهُ الواقعةَ في تصانيفِه بالعربيَّةِ والفارسيَّةِ من حيثُ تغييرِ النُّقاطِ والصِّلاتِ، واختلافِ التَّواريخِ المهندسةِ، وانتشارِ الكلماتِ، لبلغَ الرَّدُّ إلى منتهى الجموعِ، وأشكلَ الأمرَ في الجوابِ على الجمُوعِ.
وإنِّي، بل وكلُّ مَن له أًدْنَى عقلٌ من أهلِ عصري، ومَن قبلي، يعلمونَ علمًا ضروريًا أنَّ مثلَ هذه الخَدشاتِ والخُرافاتِ لا تليقُ (3) إلا بمن كان عاجزًا، آيسًا فخوريًّا.
(1) الغَدَقُ: بفتحتين: الكثير. وقد غَدِقَتْ عين الماء أي غزرت. وبابه طرب. (( مختار ) ) (ص469) .
(2) قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إن خُرافةَ ـ أي بضم ـ أي كان رجلًا من عذرة أَسَرتْهُ الجنُّ في الجاهليةِ، فمكثَ فيهم زمانًا طويلًا، ثم ردَّتْهُ إلى الأنسِ، فكان يحدِّث النَّاس بما رأى فيهم من العجائبِ، فقال النَّاس: حديث خُرافة) . أخرجه الترمذي في (( الشمائل ) )، وأحمد في (( مسنده ) ) (6: 157) .
(3) في الأصل: (( يليق ) ).