وقد علمتُ أنَّهم صدقوا فيما نصحوا، وخلصوا فيما أبرزوا، لكنَّ خوفَ تعنتِ المُتَعَنِّتينِ، وتفتُّتِ المُتَعصِّبينَ، وفسادِ السَّالكينَ، وبِعادِ النّاسكينَ؛ رجَّحَ التَّوجُّهُ إلى كتابةِ الرَّدِّ على (( التَّبصرةِ ) )، بحيثُ يكونَ لكلِّ سائلٍ ونائلٍ تذكرةٌ، ويكون بخلوصِ النِّيَّةِ، وصدقِ الطَّويَّةِ فيه زادًا لي في الآخرةِ، والمرجو من الخُلان الذين أشميتُهم الإنصافُ والوفا، والإخوانُ الذين شِرعتُهم التَّباعدُ عن الاعتساف والجفا، أن يطالعوا هذه العجالةَ بعينِ الاعتدالِ، لا بعينِ الاعتلالِ، ويشاهدوا هذه العُلالةَ، بقلبٍ سليمٍ (1) ، لا بقلبٍ سليمٍ (2) ، مع التَّحفظِ عن غَشاوةِ التَّعصبِ، تَعَصُبَ مَن فازَ بالْعَينِ بالفاءِ، والتَّيقظَ عن سِنَة قَساوةِ التَّصلبِ، تصلَّبَ من حَازِ بالغينِ بدلَ الرَّاءِ.
وأرجو من السيِّدِ المنصورِ وأحزابِهِ، رجاءَ الفاضلِ المتبحِّرِ، عن الكاملِ المتبقِّرِ وأصحابِهِ، أن لا يعودوا إلى ما مَضَى من الهَفَواتِ، والخطيئاتِ، ويَكُفُّوا أَلْسِنَتَهُم وأَعِنَّتَهُم (3) عن السُّلوكِ في مسلكِ المزخرفاتِ، والمحَرَّمات، ومن عاد فأولئك هم الظَّالمون، {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ} (4) فأولئك هم المارقون.
أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولخصومي (5) مع سائرِ المهاجرينَ والأنصارِ، إنّه تعالى حليمٌ كريمٌ، رحيمٌ غفَّارٌ.
وهذه الرسالةُ مرتبةٌ، على أبوابٍ خمسةٍ وخاتمةٍ:
البابُ الأوَّلُ: في ردِّ الأقوالِ المتفرقةِ، الواقعةِ في الدِّيباحةِ والفاتحةِ.
وفيه درسان:
الأُوْلَى: في ردِّ هفواتِ الدِّيباجةِ.
(1) من السلامة.أ.
(2) السَّليم: اللديغ والمريض.أ.
(3) العِنَانُ للفرس وجَمعه أعنَّهَ. (( مختار ) ) (ص458) .
(4) من سورة البقرة، الآية (275) .
(5) في الأصل: (( الخصومي ) ).