أفَتُنْكِرُ عليَّ أن صنَّفتُ ما أدرجتُ فيه الصَّوابَ، راجيًا بذلك الثَّوابَ! ونصصتُ في ما ألَّفتُ على الوقائعِ والبدائعِ، وذكرتُ ما في تآليفِكَ من القبائحِ والشَّنائعِ.
ولا أدري ماذا أرادَ ناصرُكَ من حديثِ عدمِ اللِّقاءِ والمعرفةِ، والشِّركةِ في النَّسبِ، والنِّسبةِ.
أما علمتَ أنَّ تعقُّبَ رجلٍ فيما يصدرُ عنه من ذلك لا يتوقَّفُ على أن يكونَ بينَ الرَّادِ والمردودِ عليهِ تعارفٌ لقائيٌ، أو اتحادٌ وطنيٌّ، أو اشتراكٌ نسبيٌّ وحسبي، بلْ الواجبُ على العلماءِ، شدُّ المئزرِ (1) للنَّكيرِ، على من يصدرُ منه اللَّغو الكثيرُ، والذَّنْبُ الكبيرُ، واللَّهو الخطيرُ، والكسبُ الحقيرُ، ومحاسبتُهُ بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ، ونقيرٍ وقطميرٍ، ولو لم يكن بينهما ملاقاتٌ ومشافهةٌ، ومساواتٌ ومخاطبةٌ.
وأمَّا حديثُ عدمِ اشتياقِكِ، ونظرِكِ وتوريقِكِ، فهو عجيبٌ عن مثلِكَ، أعاذك اللهُ من ذلك، فإنَّ عدمَ الاشتياقِ إلى مطالعةِ كتبِ العلماءِ المعاصرينِ، من شأنِ الجاهلينَ، الذينَ لا يقصدونَ جمعَ البدائعِ واللَّطائفِ، والوقائعِ والشَّرائفِ، والمُتَكبرينَ المُتَبَخْتِرينَ الذين يظنُّونَ نفوسَهم أكملُ النَّاسِ، أشَرًَا وبطرًا، ورياءً ونِواءً (2) للنَّاسِ، فلا يرفعونَ رأسًا، ولا يضعونَ دونَ أبوابِ بيوتِهِم نِبْرَاسًا.
(1) شدُّ الإزار كناية عن الاستعدادِ والتهيؤِ والتَّوجهِ.أ.
(2) نِواء: بالكسر والمدِّ: عاداه، يقال إذا ناوَأْتَ الرجال فاصبر. (( مختار ) ) (ص684) .