فهرس الكتاب
وما أحسنَ قولَ المتنبِّي أحدُ الأمجادِ:
أتنكرُ مانطقتُ به يديها
وليسَ بمنكرٍ سبقَ الجوادِ
أراكضُ مُعوصاتٍ القولٍ قَسْرًا
فاقتلُها وغيري في الطِرادِ
أَفَتُنْكِرُ عليَّ أن دَفَعْتُ السُّقمَ، وأثبتُ صحيحَ الحكمِ، كلُّ ذلك مع حِلْمٍ؟!
وهذه شريعتَي مع مَن أردُّ عليه، وطريقتَي مع مَن أُنَازِعُهُ وأزجرُ عليه:
فلا أتكلمُ بفحشٍ وسبٍّ.
ولا أناظرُ مع غضبٍ وكربٍ.
ولا أجهّلُهُ ولا أشتمُهُ.
ولا أحمِّقُهُ ولا أعيِّبُهُ.
ولا أتجاوزُ عن الحدِّ، فأسبُّ الأبَ والجدَّ.
ولا أُلَقِّبُهُ بالألقابِ المكروهةِ كالباغضِ والحاسدِ.
ولا أطلقُ عنانَ اللِّسانِ، فأقعَ في الطُّغيانِ الكاسدِ.
وهذا هو الطَّريقُ الذي يسلكُ عليهِ الأماثلُ المناظرون، والأفاضلُ المنازعونَ، وكثيرًا ما أُنْشِدُ قولَ الحَرِيريِّ:
شكرًا لربِّي وفضلِهِ الغزيري
لابطرًا وفخرًا فلستُ أنا بفخوري
أنا امرؤٌ ليسَ في خصائصِهِ
عَيْبٌ ولا في فِخَارِهِ رِيَبُ
بُ
وشُغْلِي الدَّرسُ التَّبَحُرُ في الـ
ـعلمِ طِلابي وحبَّذا الطَّلبُ
أغوضُ في لُجَّةِ البَيَانِ فَاخْتَارُ
اللآلِى مِنْهَا وانْتَخِبُ
وأَجْتَنِي اليَانعَ الجنِّي
من القولِ وغيري للعُودِ (1) محتطبُ (2)
ما المكرُ بالمحصناتِ من خُلقي
ولا شِعاري التَّمويهُ والكذبُ
... وأما المُشَاغبُ المُفاخِرُ، وإن كان مَالِيًا المعائبِ، خاليًا عن المَفَاخرِ، والمُخاصمُ الفاجرُ، والمُشاتمُ الغادرُ، فيغضبُ ويغضبُ، ويكربُ ويكربُ، ويسبُّ الرَّادُّ، وإن كانَ خيرًا من حاضرٍ (3) وبادٍ (4) ، ويُلَقِّبُهُ بالألقابِ الخسيسةِ، ويُطْلِقُ عليهِ الألفاظَ الكثيفةَ:
فتارةً، يقولُ: إنه حاسدٌ وكاسدٌ.
وتارةً، يقولُ: إنه فاسدٌ وعاندٌ.
(1) في (( المقامات ) ) (ص33) : (( يحتطب ) ).
(2) انتهى من (( مقامات الحريري ) ) (ص33) .
(3) أي المقيم في الحضر.أ.
(4) أي الساكن في البادية.أ.