ومعنى هذا أن الحنفية خافوا الفتنة عند ما لا يجتمع الناس على رأي، يسىء بعضهم إلى بعض، فاشترطوا إذن السلطان كائنًا من كان، ولهذا قالوا: إذا صلى رجل الجمعة بالناس بغير إذن الإمام، أو خليفته، أو صاحب الشرط، أو القاضى، لم يجزئهم. وقالوا أيضًا: لو مات من يصلى الجمعة بالناس فاجتمعوا على رجل فصلى بهم الجمعة أجزأهم، لأن عثمان رحمه الله تعالى لما حصر اجتمع الناس على علي رضي الله عنه، فصلى بهم الجمعة، ولأن الخليفة إنما أمر بذلك نظرًا منه لهم، فإذا نظروا لأنفسهم، واتفقوا عليه، كان ذلك بمنزلة أمر الخليفة إياه [1] .
فالحنفية، وإن كانوا قد خالفوا باقى المذاهب الأربعة، غير أنهم لا يسقطون الجمعة إلا حين تخشى الفتنة، ولذا أجازوا الإذن حتى من صاحب الشرط، وأسقطوا هذا الشرط عند تعذره، واجتماع الناس على رجل يصلى بهم، وبهذا يتبين لنا أن الحنفية ما كانوا ليسقطوا فرضا من فرائض الله، فلننظر بعد ذلك فيما ذهب إليه الشيعة الاثنا عشرية.
إن اشتراطهم الإمام أو نائبه في زمن الحضور مستند أساسًا إلى إجماعهم، فهم يرون أن هذا للإمام كحقه في الخلافة، ولذا يروون"الجمعة والحكومة لإمام المسلمين" [2] فكما أنهم ينظرون إلى من تولى الحكم من غير المعصومين ـ في اعتقادهم ـ نظرة من اغتصب حق الأئمة، فكذلك الجمعة، وهذا هو الذى دفعهم إلى هذا الاشتراط، حتى أن بعضهم رأي إسقاط الجمعة في زمن الغيبة تحرزًا عن غصب منصب الإمام [3] .
(1) انظر نفس المرجع ص 34 ـ 35.
(2) مفتاح الكرامة ـ كتاب الصلاة ـ 2 / 69.
(3) انظر نفس المرجع ص 67.