فهرس الكتاب
شبه ما حصل في معركة مؤتة من وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفعل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بأنه فتح عندما انسحب بالجيش، فالفتح في ظروف تلك المعركة كان إنقاذه الصحابة -رضي الله عنهم- من أن يباد جيشهم في معركة لا تناسب فيها البتة بين عدد جيشهم وعدد جيش الروم، وليس هناك مقومات لكسبها في حين أنهم ليسوا في حالة استباحة بيضة المسلمين وإنما لهم فئة يستطيعون الرجوع إليها ليتهيئوا لمثل هذه المعركة، فئة أفضل الناس خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم- الذي أثنى عليهم بأنهم كرارًا و ليسوا فرارًا.
وأما في مسألة إقامة الدول قبل اكتمال مقومات نجاحها أقول:
1.يظهر لي أن التدبر في الأمر جيدًا يوضح أن إقامة الدول قبل اكتمال مقومات نجاحها هو في أغلب الأحيان إجهاض للعمل حيثما تقام، إذ أن إقامتها ثم إسقاط العدو لها عبء فوق طاقة الناس، وإن تحميل الناس أمرًا فوق طاقتهم له سلبيات كبيرة منها أن يؤدي إلى صدمة من الجهاد عند أهل الإقليم الذي فيه تقمع الحركة، وقد تتعداهم سواء أقمعت الحركة بعد إنشاء الدولة أو وهي تسعى لإنشائها كما حصل في سورية عندما حاول الإخوان المسلمون أن يبدؤوا الجهاد ويقيموا دولة إسلامية قبل أن يعدوا للأمر عدته وتكتمل مقومات نجاحه فحصلت صدمة لدى المسلمين في سورية من الجهاد، واستقر لدى الكثير أن البقاء على النظام القائم أقل ضررًا بهم مما سيلحق بهم إذا أرادوا الجهاد، فتبعًا لهذه الصدمة خسر الجهاد جيلًا من الشباب الذين كانوا يتحرقون لنصرة الدين ومنهم من بذلوا أرواحهم في سبيل ذلك، وسكنت ريح الجهاد في سوريا قرابة عشرين عامًا إلى أن نشأ جيل جديد لم يشهد الصدمة؛ فالغالبية العظمى ممن نفر للجهاد في أفغانستان والعراق هم ممن لم يشهد تجربة حماة وفتك النظام بها.
2.... أن أمر الجهاد لإسقاط الدول والسيطرة عليها لا ينبغي البدء فيه بناء على أمل أن الناس سيقاتلون لتثبيت الدولة الناشئة، وإنما لا بد من دراسة الأمر وتقليبه والتأكد من اكتمال مقومات النجاح، وتحري الوقت المناسب فلا نضيع الفرصة الثمينة، ولا نبدأ قبل أن تتهيأ الفرصة المناسبة، وقد يقيس المرء نتائج إقامة دولة إسلامية ثم إسقاط الأعداء لها بالنتائج التي حصلت إثر سقوط الإمارة الإسلامية في أفغانستان -نسأل الله أن يعيدها في عز وتمكين-، فهذا قياس مع فارق كبير لعدة عوامل:
العامل الأول: أن شعوب العالم الإسلامي تنقسم إلى قسمين عرب وعجم، وبما أن للأعداء معرفة وخبرات متراكمة عن العرب وتاريخهم فقد علموا أن للعرب صفات خطيرة تؤهلهم لتلبية داعي الجهاد بسرعة ويكفيهم أن القرآن الكريم والحديث الشريف بلغتهم، وما يترتب على ذلك من سرعة فهم النصوص بدون ترجمة، وبناء على معرفتهم