الصفحة 10 من 11

1)... أ) يحد أفغانستان من الشمال حدود طويلة مع الجمهوريات السوفياتية (طاجيكستان / وأوزبكستان / وتركستان) ، ولها من الشرق حدود ضيقة على أهمية كبرى مع الصين عبر (ولاية بامير / ونورستان) .

ب) ويحدها شرقا وجنوبا حدود طويلة تمتد لأكثر من ألفي كم مع الباكستان، ويحدها من الغرب إيران.

2)وتتألف أفغانستان من مسطح جغرافي بالغ الوعورة والتعقيد، والخصوبة في الموارد المائية والزراعية والثروات البطنية من المعادن الثمينة، وبعض المواد الخام البكر التي لم تستهلك ولم يكتشف معظمها إلى الآن.

3)ويتألف الشعب الأفغاني من بضع وثلاثمائة قبيلة موزعة على أربعة أعراق رئيسية تتكلم لغات مختلفة هي؛ البشتون - ويشكلون أكثر من 75% من السكان ويقطن معظمهم وسط وجنوب أفغانستان - ويتوزع الربع الباقي من السكان بين الطاجيك والفرسوان والأوزبك، وكل هؤلاء من المسلمين السنة الأحناف. وفيها نسبة من الشيعة في ولاية (باميان) ، وتقطن أقلية منهم في أطراف كابل ويبلغ الشيعة بمجموعهم في أفغانستان ما بين (7 - 8 %) من السكان، وفي الشمال أقلية يسيرة من الإسماعيلية أيضا.

4)يرتبط كثير من القبائل الباكستانية البشتونية في جوار أفغانستان بأواصر قربى وعلاقات بأقاربهم في أفغانستان. بل إن إقليم"سرحد"وعاصمته بيشاور، يعتبر من الأراضي الأفغانية وقد ضم إلى باكستان إبان خروج الإنكليز من تلك البقاع.

5)تعتبر الباكستان بلاد الأفغان والكثلة الإسلامية ذات الشوكة والتاريخ العام في شبه القارة الهندية عمقا إستراتيجيا للمسلمين الباكستان، في وجه خصمهم التاريخي المتمثل في الهند، وقد دأبت السياسة الباكستانية منذ أيام (بوتو) الأب على الارتباط بمحاور قوى هامة في أفغانستان من أجل الحفاظ على هذا الظهر. وورث (ضياء الحق) ذلك وطورها لنظرية استراتيجية، كان يعتبر فيها انتصار المجاهدين الأفغان مرتكزا أساسيا لتوجهاته الإسلامية والوطنية في باكستان، وقد أدى خروجه عن الخطوط الحمراء مع أمريكا إلى اغتياله. وبقيت من بعده السياسة الباكستانية حتى في عهد بوتو الابنة محافظة على هذا الخط لأن التهديد الهندي صار أكثر جدية ومشكلة كشمير المحتلة والتي جعلت البلدين على حافة الحرب أكثر من مرة توجب على الباكستان الحفاظ على محاور صديقة لها بل تابعة لتوجهاتها في أفغانستان. وقد وجدت في صراع ا لأحزاب الستة ولاسيما الحزبين الرئيسيين، رباني وحكمتيار، الفرصة لنسج خيوط سياسة سمحت لها بالهيمنة والتحكم في مسار القضية الأفغانية.

6)إيران من جهتها تعتبر نفسها حامية للأقلية الشيعة في أفغانستان. وبعد انتصار ثورتها ما زالت حكومة طهران تحاول أن تكون اللاعب الأساسي في مستقبل الجمهوريات السوفياتية وهذا يوجب عليها أن تحفظ لنفسها مركزا قويا في أفغانستان ولذلك قد أنشأت لنفسها عدة أحزاب شيعية ودعمتها بالمال والسلاح بل وبالرجال أيضا وتدخل الحرس الثوري الإيراني أكثر من مرة في أفغانستان.

7)كان الاتحاد السوفييتي البائد ينظر عبر حلم الروس القياصرة القدماء إلى السيطرة على بلاد الأفغان لأنها الثغرة الأساسية واللقمة الصعبة التي لو ابتلعها فسيكون ابتلاع الكيلومترات القليلة الباقية للوصول لمياه الخليج الدافئة وتهديد ممرات البترول والضغط على الأمريكان؛ سيكون عندها أسهل من شرب الماء بعد تلك اللقمة الصعبة. ولكن الروس لم يقرؤوا التاريخ الذي سجل بوضوح تكسر كل الغزوات التاريخية والمعاصرة على صخور جبال الهندكوش، ويكفي الإشارة إلى أن الإسكندر الأكبر اجتاح المشرق في سنين قليلة، وكانت الهزيمة الأولى والأخيرة له عندما انهزم جيشه على يد قبائل الأفغان، على سفوح الهندكوش. وربما لم يسجل التاريخ الإنكليزي فيما بين الحربين هزائم أهم في تاريخه من تلك التي شهدها في تلك البلاد، وانسحب منها من دون أن يحقق شيئا.

لكن الروس لم يقرؤوا التاريخ وأثبت المؤرخون أن الاتحاد السوفييتي طوي علمه بيده وتفتت بسبب تلك المقاومة بصورة رئيسية، ولكنه اليوم يرى في أفغانستان السيل العرم، الذي يجب أن يصده بدفاعه عن الجمهوريات الإسلامية المحتلة والتي يتململ المسلمون فيها ليبلغوا من محتليهم الروس ثأرا تراكمت حساباته على مر سبعين سنة. ولا أدل على ذلك من إعلان زعماء روسيا مؤخرا بكل صراحة لدعمها لدوستم قائلين: (نحن ندافع عن الجمهوريات السوفيتية الجنوبية من ممر"سلانغ"ولو سقط الممر بيد الطالبان، فلن يقف خطر المسلمين إلا على أبواب موسكو!) .. ويبدو أن هذا صحيح من خلال دروس التاريخ والجغرافيا.

8)بالنسبة للصين؛ لا يبدو لها تأثير كبير في قضية أفغانستان باستثناء مجموعة قليلة من سكان المناطق المتاخمة، قاتلوا السوفييت متأثرين بالفكر الماوي الشيوعي والقومية الأفغانية. ولكن احتمالات اهتمامها تأتي من خلال وجود أكثر من 170 مليون مسلم في تركستان الشرقية، يرتبطون تاريخيا وإسلاميا ببلاد الأفغان والمسلمين.

9)بالنسبة للسعودية؛ فقد دخلت اللعبة مبكرة جدا، وكانت وسيلة وبوابة أمريكا على هذه القضية الإسلامية المفصلية، بالإضافة لباكستان التي شكلت مع السعودية موطئ قدم الأمريكان فيها وبوابتي التدخل. النظام السعودي استغل استحواذه على الحرمين في السيطرة على الأقليات الإسلامية وعواطف مسلمي الأعاجم إلى أقصى حد! واستطاع عبر المنظمات الخيرية والدعوية الاستخباراتية مثل؛ (رابطة العالم الإسلامي) و (الندوة العالمية للشباب الإسلامي) و (لجنة البر) و (هيئة الإغاثة العالمية) و (الهلال الأحمر السعودي) ... وغيرها من قلاع استخباراتية لم تكن أقل خسة وخبثا في أساليبها من أسوأ المنظمات التبشيرية التنصيرية. ودورها في أفغانستان يحتاج لمجلد منفصل، ليس أقل ما فيه شراء ذمم القادة وتوزيع الجوازات السعودية على من تريد، وتوظيف سحر الشيكات والهبات والمساعدات لبناء شبكة أتباع ومحاور قوى كان لها أسوأ الأثر على الجهاد الأفغاني نفسه، كما قامت بأعمال استخباراتية أساسية في حصار واختراق التجمعات العربية الجهادية هناك.

ومع ذلك فقد انقلب السحر على الساحر ويشكل كابوس الأفغان العرب - كما يسمونهم - والسعوديون منهم وهم نصف التجمع العربي، هاجس الموت اليوم بالنسبة للسعودية!! ولاسيما بعد أن تحصن ابن لادن مع أتباعه وصار قطب استقطاب المجاهدين العرب وغيرهم من المسلمين في أفغانستان مرة ثانية، ويطرح مركز ومثير هذه المرة؛ (تحرير مقدسات المسلمين، ومواجهه أمريكا) التي يشكل بغضها اليوم شطر الدين عند كل مسلم.

10)بالنسبة لأمريكا؛ فقد شكل انطلاق الجهاد الأفغاني الفرصة التاريخية أمامها من أجل وقف سلسلة التراجعات التي عاناها حلفاؤها أمام مكاسب موسكو في الستينات والسبعينات في معظم مناطق التماس ولاسيما في بلاد العرب والقرن الإفريقي. فسخرت إعلامها لصالح الأفغان وأعطت الضوء الأخضر لبعض حكام العرب كي يسمحوا بمرور الشباب المتحفز للجهاد إلى هناك وشجعتهم على عقد المؤتمرات وأطلقت التصريحات وكانت قنصليتها في بيشاور أكبر من سفارتها في إسلام أباد نفسها.

ورغم الدور الثانوي جدا لأمريكا في انتصار الأفغان، بل الدور الذي لا يذكر، راحت وسائل الإعلام الأمريكية تعمل حتى جعلت من صاروخ"ستانكر"- مثلا - سبب هزائم الروس، وهذا مضحك عسكريا وسياسيا لمن يعرف حقيقة الأمر، ومع ذلك فقد سخرت أمريكا انتصارات المسلمين لصالحها وحصدت جهودهم التي دمرت الاتحاد السوفييتي حتى صاح فلاسفتها منادين بنهاية التاريخ!!

واليوم تشتبك أطماع أمريكا الاقتصادية في أفغانستان والجمهوريات الإسلامية جنوب روسيا بمخاوفها من عودة الجهاد وانطلاق الطالبان وتمركز المجاهدين العرب مرة أخرى هناك. بما يفرض عليها تدخلا وتواجدا مصيريا هناك. ساهمت سياستها الخرقاء نفسها في تسعيره، ولا أبسط من مثال حملها بن لادن من صحاري السودان إلى جبال الأفغان ليتحول من المستثمر الاقتصادي إلى قائد العصابات؛ الرمز لجهاد المسلمين في ذرى الهندكوش.

هذا ببساطة شديدة وإيجاز بعض ملامح الصراع الإقليمي في أفغانستان رغم إغفالنا لأطراف عديدة، كبعض البلدان الأوروبية وبعض العرب ومصر وتركيا التي تشتبك مصالحها ومخاوفها باللعبة مباشرة أيضا.

11)من الناحية الاقتصادية تشكل أفغانستان خط تقاطع"ترانزيت"الطرق التجارية الهامة جدا ولاسيما مع انفتاح سوق اقتصادية استهلاكية بكر عظيمة جدا في الجمهوريات السوفييتية نفسها. فالهند ترسل بضائعها إلى ميناء (بندر عباس) وتعبر إيران إلى أفغانستان ومن ثم الجمهوريات السوفياتية وتشكل بلاد الأفغان والجمهوريات لها سوقا حيويا تنقل إليها منتجاتها ومنتجات جنوب وشرق آسيا واليابان. كما تشكل أفغانستان السوق الأساسية بالنسبة للبضائع الباكستانية وما يمر منها عبر أفغانستان إلى بلاد الجمهوريات.

إيران من جهتها؛ شقت طريقا مباشرا إلى الجمهوريات مرفقا بخط سكك حديد. وتركيا تعتبر الجمهوريات ولا سيما المقاطعات التركمانية سوقا وعمقا هاما جدا تتنافس مع إيران عليه. أما الصين؛ فتعتبر أفغانستان بالنسبة لها المعبر الأقصر إلى هناك للخليج العربي وسوقا هاما للسلاح والبضائع.

ولكن الذي عقد الشبكة جدا وأثار لعاب كبريات شركات الاحتكار الدولية اكتشاف كميات هائلة من النفط والغاز في تركستان وكازاخستان. أخذ الأمريكان حصة الأسد من العقود فيها وليس أمامهم سوى مد أنابيب عبر إيران وبالتالي تحكم إيران بهم، وما يخلفه ذلك من وزن سياسي واقتصادي كبير أو مدها إلى أفغانستان، إلى حدود باكستان لتعبر مسافة قصيرة إلى كراتشي حيث بحر العرب وطرق إمداد النفط من الخليج. ولما كان طريق أفغانستان آمن سياسيا وأقصر وأسهل في التمديد لمنتوج نفطي وغازي يجاوز أو ينافس إنتاج واحتياطي السعودية ذاتها. صار الصراع على النفوذ اليوم هناك على أشد ما يكون.

عود سريع إلى أفغانستان؛

في ظل هذه المعلومات الموجزة، نجد أن الهند تمكنت عبر حكومة رباني وأخلاقه الميكافيلية من إقامة حلف مشترك معه ومع إيران وروسيا. وكان الروس على وشك افتتاح سفارتهم في كابل مرة أخرى لو مكث رباني في الحكم شهورا أخرى!!

أحست باكستان بالويل لدى اكتشافها طائرات للسلاح من الهند لرباني من أجل مواجهة حكمتيار، وعلمت أن الخبراء الهنود يشرفون على إعادة تجهيز وتسليح قوات رباني التي يقود معظمها كوادر شيوعية، دخلت عبر دوستم والمليشيات وجيش نجيب المفك. ولم يكن أمامها إلا مزيد من دعم حكمتيار رجل باكستان الأول. ولكن هذا الأخير قرر اللعب لحسابه فيما يبدو واتفق مرغما على تغيير تكتيكه إلى قبول حل وسط مع مسعود ورباني واستلام رئاسة الوزراء والخروج على الخريطة الباكستانية.

في تلك الأثناء كانت طلبان تنطلق، لقد ولدتها ظروف دينية واجتماعية محضة- والله أعلم - في معزل كامل عن هذا الصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

رأت باكستان - فيما يبدو- في طالبان ورقة رابحة بإمكانها أن تجعل منها حزبا ثامنا يوسع أمامها هامش المناورات. فدعمتها مستفيدة من تداخل المؤسسة الدينية المولوية بين باكستان وأفغانستان ولكن هذه الورقة التي ظنتها باكستان حجرا آخر في الرقعة، انطلقت لتبتلع باقي الأحجار نتيجة الظروف الداخلية. ونكدت طالبان لاعبا أوحد يهدد استقلاله اليوم مصالح كل اللاعبين بما فيهم باكستان نفسها. وصارت السياسة الباكستانية بين دعمهم مع احتمال احتوائهم وكسب حليف قوي جدا في مواجهة إيران والهند أو التخلي عنهم وكشف ظهرها وخاصرتها اليسرى للهند وإيران. وما تزال تأخذ بالخيار الأول.

والذي عقد الوضع الباكستاني صراع وإعادة توزيع أدوار داخلي وعالمي ولد انقلابا أبيض أطاح ببنظير بوتو والطاقم الذي معها والذي شهد ميلاد وتطور الطالبان على رأسهم نصر الله بابار وزير الداخلية الذي يقبع اليوم في سجنه الإجباري. وبحسب ما ستسفر عنه مسرحية الإنتخابات، بعد ثلاثة شهور، تتحدد ملامح السياسة الباكستانية التي تعاني على كل حال من تناقضات كبيرة. فالركائز الأساسية للسياسة الأمريكية بين رجال الجيش والمخابرات والسياسة؛ وهو مثلث مراكز القوى في أفغانستان هو مجموعة من الخيارات الأمريكية السيئة والأكثر سوءا على كل حال.

ولكن الذي عقد اللعبة؛ وجود العرب وقدوم"ابن لادن"وإعلان الجهاد على الأمريكان وتعاطف المؤسسة الدينية في أفغانستان وباكستان ومسلمي الهند وبنجلاديش وكشمير والجمهوريات الجنوبية لروسيا مع المجاهدين العرب، والنداء التاريخي لمواجهة أمريكا. وهنا تعقدت المعطيات وتضاربت لأول مرة مصالح باكستان مع مصالح أمريكا مباشرة ومع مصالح السعودية وأقزام الإمارات والسلطنات العربية في الجزيرة ومن وراء ذلك أنظمة ديكتاتورية كثيرة في بلاد العرب والمنطقة.

ويتركز الجهد اليوم بكل شراسة على محاولة اختراق طالبان واحتواء قادتها عبر النظام السعودي المحتل بالنيابة لبلاد الحرمين، عبر حكومة إسلام أباد.

ومختصر المؤامرة السعودية؛ يتركز حول استدراج بعض قيادات الطالبان أو صناعة قيادات من الدرجة الثانية عبر تأثير الحرمين واستدراج"تأشيرة"العمرة والحج والهبات والمنح والإجتماع بالمؤسسة الدينية العميلة للسعودية لتحذير الطالبان وشراء ذ ممهم - نسأل الله أن يحفظهم -

وأما مؤامرة باكستان؛ فعبر الضغط مستغلين الاحتياج الحقيقي لطالبان في مواجهة معركة تبدو شرسة جدا رغم احتمالات قصرها مع دوستم وروسيا وإيران ومن وراءهم.

ومن وراء هذه المحاولة أمريكا بالطبع وما رصدته من عشرات الملايين لمواجهة هذا الخطر ولو باستخدام أباطرة عصابات المخدرات على الحدود الباكستانية الأفغانية.

فيما تركزت سياسة إيران وتركبا وروسيا على دعم دوستم بكل أشكال الدعم لتحطيم الطالبان والخلاص من التهديد. وتبدو سياسة الهند مع هذا المنحى على استحياء وتخوف من مغبة التورط المكشوف، كما إيران وروسيا وتركيا. ولا تخفى أصابع أمريكا في دعم هذا الاتجاه عبر تمويل روسيا أيضا.

هذا بإيجاز شديد بعض ملامح الصراع الإقليمي والدولي وخارطة التحالفات والجبهات السياسية والعسكرية وصراع الاستخبارات من وراء الستار.

ونسأل الله أن يحفظ أهل الإسلام ويمكن لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت