كانت الحرب الجهادية الطويلة المدى التي خاضها الشعب الأفغاني المسلم الفقير قد أنهكت الاتحاد السوفياتي. وكانت أكبر الأسباب التي أدت إلى النهاية التي وصل إليها حيث طوي علم تلك الإمبراطورية والدولة العظمى إلى غير رجعة، ليدخل العالم بأسره في خريطة (جيوسياسية) جديدة تماما.
وبحلول عام 1992م كان النظام الشيوعي في كابل قد اقتصرت سيطرته على بضعة مدن محاصرة بالمجاهدين، وبعض الممرات الحيوية التي تربط كابل ببعض الولايات القريبة، وبالشمال عبر الممرات المؤدية إلى موسكو التي كان جيشها قد أجبر على الانسحاب وترك النظام الشيوعي في كابل ليلاقي مصيره.
ونتيجة لحسابات وصراع مصالح بين الحزبين الرئيسيين في أحزاب المجاهدين (الحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار) والجمعية الإسلامية بزعامة (برهان الدين رباني وقائده الرئيسي أحمد شاه مسعود) ونظرا لانهيارات عسكرية متعددة تعرضت لها قوات نجيب الله. دخل قائد المليشيات الشيوعية في الشمال الجنرال دوستم في تحالف مصالح مع قائد رباني الأبرز"شاه مسعود"من أجل قطع الطريق على سقوط كابل بأيدي تحالف المجاهدين - يشكل حكمتيار وقواته الكتلة الأقوى والأبرز فيه - وسقطت كابل وانفرط العقد وتتابع تسليم القوات الشيوعية لقيادات المجاهدين المحاصرين لهم في باقي المدن الرئيسية"جلال أباد، خوست، .. إلخ". وفر نجيب الله والتجأ إلى مقر الأمم المتحدة في كابل.
وبهذا الفصل الأخير ابتدأ فصل جديد من الصراع على السلطة في كابل وما حولها والذي كان الصورة المباشرة لصراع المصالح الإقليمية والدولية التي يشترك فيها اللاعبون الكبار وعلى رأسهم أمريكا / باكستان / إيران / الهند / السعودية / روسيا ... وغيرهم.
كانت اللعبة الدولية تسعى جاهدة عبر غطاء ما يسمى"بالأمم المتحدة"من أجل تشكيل حكومة إئتلافية موسعة يشترك فيها جميع الأطراف. وهذا المصطلح هو التعبير اللطيف عن إفساح المجال لإنقاذ الكوادر الشيوعية الأساسية وعلى رأسها دوستم ومليشياته، وبقايا جنرالات الجيش، وكبار ضباط الخاد الاستخبارات التابعة لـ"KGB"بالإضافة لمن يسمون"التكنوقراط"وهم بعض الإرستقراطيين والعلمانيين الأفغان الذين تم إعدادهم بعد أن هجروا أفغانستان وقعدوا ينتظرون أن يستنزف الجهاد الطويل قدرات المجاهدين وقادتهم ليعودوا من فنادقهم الرغيدة ومنتجعاتهم في أمريكا وبعض دول أوروبا لحكم أفغانستان، وكانت باكستان ثم السعودية - وما تزال- إلى هذه الساعة البوابة الرئيسية لإدارة خيوط المؤامرة الدولية في أفغانستان، وكادت هذه المؤامرة أن تتم لولا أن قيض الله لها داخليا من القيادات الأفغانية الميدانية المخلصة، وبعض الرموز العلمية والشرعية في أفغانستان من أفشلها.
وقد لعب بعض قادة المجاهدين العرب في أفغانستان دورا مهما في تثبيت قيادات المجاهدين؛ لرفض مشروع الحكومة الموسعة من أجل تشكيل حكومة من الأحزاب الجهادية الستة التي اتفق على دعمها خلال فترة الجهاد التي امتدت لأكثر من أربعة عشر عاما.
ثم دخلت الأحزاب في صراع على السلطة انحصر في النهاية بين (برهان الدين رباني) وخصمه العنيد (حكمتيار) ومن دخل في حلف كل منهما. واستطاع رباني وقائده مسعود التمركز في كابل، ولم يسمح له حكمتيار بأن يهنأ في هذه السلطة يوما واحدا، وصار هذا الخلاف مدخلا لكوادر الشيوعية السالفة وبعض الفرق الأخرى، والأقلية الشيعة المدعومة من إيران، كي تتوزع على طرفي هذا الصراع وتزكي أواره طيلة خمسة أعوام. كما صار هذان الفريقان مركزا جديدا للعبة الصراع الإقليمية لأطرافها الرئيسية (باكستان / إيران / الهند) والدولية (وعلى رأسها أمريكا / الغرب / روسيا) .
سحق هذا التطاحن في النهاية أكثر من أربعين ألف قتيل من المدنيين راحوا ضحية القصف الوحشي والاقتتال اللانهائي على السلطة عبر سلسلة من التحالفات الغربية والتناقضات العجيبة التي قامت كلها على أسس قبلية أو مصلحية أو سوى ذلك، مما لا يمكن أن ينسب إلى أسباب شرعية أو ميدانية بحال من ا لأحوال.
زاد الدمار الذي خلفه الشيوعيون في الاقتصاد والمدن والطرقات بسبب هذه الحرب دمارا على دمار. وانعكس ذلك على الشعب الأفغاني فقرا وعناء، صار مؤهلا معه لتقبل أي حل، فقد غاب الأمن وسيطر قطاع الطرق - من الملحدين والشيوعيين السابقين ومن كبار تجار المخدرات وأزلامهم ومن اللصوص والفاتكين - وانتشر النهب المسلح والسلب وقطع الطريق واختطاف النساء والاغتصاب وعمت الرذائل والفجور، وانتشرت تجارة المخدرات. بل إن كثيرا من قادة الأحزاب وصغار المجاهدين تحولوا بفعل انشغال قيادتهم في قتل المسلمين صراعا على السلطة إلى لصوص وقطاع طرق، استخدموا أسلحتهم التي كانوا يقاتلون بها في سبيل الله، لنصب الحواجز الجمركية، وربط الحبال على مفارق الطرق، لجباية المكوس والضرائب من فقراء الناس وأغنيائهم على السواء.
بل إن بعض كبار جنرالات الحرب على السلطة، كانوا يجبرون الناس على التجنيد في مناطقهم، تماما كما كانت تفعل جنرالات نجيب في اختطاف الشباب وحملهم بالطائرات قسرا إلى معسكرات التدريب ثم لجبهات القتال.
وباختصار شديد صارت هذه البلد الصابرة نموذجا للفساد في الأرض.
إن هذه الأحوال جعلت الظروف تتهيأ حتى لطرح حلول تآمرية عجيبة بلغت أن سعت الأمم المتحدة إلى تشكيل جيش من المتطوعين من الأفغان المرتزقة براتب شهري قدره ثلاثمئة دولار كان من المفترض أن يبلغ تعداده نحو ثمانين ألف مقاتل، مستغلين ظروف الناس المعيشية والأمنية وتشوقهم لأي مخلص من أجل أن يفرضوا حلا تضمنه الأمم المتحدة، تستورد بموجبه الملك العجوز ظاهر شاه من منتجعه في إيطاليا، ليكون رمز الأمن والخلاص. وسط انتظار الناس لأي حل.
وعلى الصعيد الإقليمي اكتشفت باكستان أن رباني ومن تحالف معه من الأحزاب قد أقاموا علاقة قوية مع الهند وإيران وروسيا، أصبحت تهدد الباكستان بشكل مباشر. وأحس الباكستانيون أن هذه اللعبة التي أداروها وقدموا فيها كل ثقلهم وجهدهم طيلة أربعة عشر عاما، تكاد تخرج من أيديهم. ولم يكن قد بقي في جعبتهم إلا دعم (حكمتيار) الرجل المحسوب على باكستان طيلة فترة الجهاد الأفغاني. وفجأة اهتزت كل الحسابات الباكستانية لأن حكمتيار فيما يبدو رأى بعد الصراع المرير دون جدوى أنه من الأولى له أن ينفرد بحساباته الخاصة. فقبل أن يدخل في الحكومة مع رباني، واستلم رئاسة الوزراء في كابل، ليتابع صراع السلطة من داخل كابل بدلا من أن يبقى حبيس الجبال، لا وسيلة لديه إلا مزيدا من القصف الصاروخي، والتحكم في قوافل الإغاثة والإمدادات الداخلة والخارجة من وإلى كابل.
كانت هذه ظروف أفغانستان في الفترة التي شهدت (ميلاد حركة طالبان) .
وهذا الموجز هو حقيقة ماثلة للعيان، كان يراها ويعيشها كل متابع لقضية هذا الشعب المسلم بصرف النظر عن ميول العواطف وأحلام الآمال.
وعلى صعيد الشباب العرب هناك كان الجمع الغفير منهم قد رأى في هذه الحرب الأهلية فتنة وتطاحنا بين المسلمين على السلطة لا غير. إذ كان تداخل الشيوعيين في صفوف كلا الفريقين وتدخل وصراع القوى الإقليمية والدولية فاجتنبها باستثناء فريقين صغيرين مال أحدهما - وهم نزر يسير- إلى تأبيد رباني ومسعود، واستقر في كابل. وانحاز الفريق الآخر إلى صفوف حكمتيار - مجموعة صغيرة - جاهدوا معظم تلك الفترة إلى جانبه، ورأوا فيه رجلا مخلصا، دافع عنهم وأواهم، ولم يغدر بهم على الأقل، على النحو المشين الذي قام به رباني الذي لم يستقر على كرسي السلطة في كابل حتى زار القاهرة ضيفا على حسني مبارك واعدا إياه بملاحقة وتسليم (الإرهابيين العرب!!) والذين لم تجف بعد دماؤهم التي انساحت دفاعا عن أرضه وعرضه!! بل إنه توج زيارته بوضع إكليل من الزهور على قبر الهالك السادات الذي أردته - طلقات إخوانهم المجاهدين في تلك الحفرة.
ولكن هذا الفريق المحدود أيضا، انفض معظمه عندما وجدوه يحنث بوعوده بعدم التحالف مع الشيعة والشيوعيين في هذا الصراع. ولم يبق معه في النهاية إلا قدر يسير أيضا يرى فيه الزعيم المجاهد الذي يجب أن يقاتل معه، رغم أنه تحالف مع أعداء الإسلام والمسلمين، قابلين للأعذار التي أطلقها الرجل في ظل حرب طاحنة على السلطة لا تسمح له بالاستغناء عن هذه التحالفات من أجل آراء شباب الفقهاء العرب!!
في هذه الظروف وقبل نحو ما يقرب من سنتين - أي في بداية عام 1995م - ظهرت حركة الطالبان في"قندهار"وبدأ يرد في الأخبار العالمية أنباء عن ظهور قوة تجمع جديد تمدد خلال نحو سنة في خمس أو ست ولايات جنوبية وغربية من أفغانستان، وسيطر عليها وطرد منها مسلحي الأحزاب، وبدأ بتطبيق أحكام الشريعة، ومطاردة اللصوص.
وتناقلت الأنباء عنهم أخبارا متضاربة تراوحت بين الثناء والترحيب كأمل في إنهاء تلك الأوضاع وبين وصفهم بالتطرف والانغلاق والتخلف.
مع بداية سنة 1996م بدأ تحرك الطالبان يبتلع الولايات الواحدة تلو الأخرى وسط أنباء عن دعم باكستاني لهم، ودعم إيراني هندي لخصومهم. وسرعان ما تسارعت الأحداث ليدخل الطالبان مواقع حكمتيار في الولايات الجنوبية والوسطى، ثم يطرقون على أبواب كابل حيث دخلوها في تسارع مذهل فاجأ أحبابهم وخصومهم على السواء.
يمتد سلطان الطالبان اليوم على أكثر من 45% من الولايات الأفغانية. حيث فرت الحكومة السابقة ليصبح أقطابها الكبار أعداء الأمس حلفاء اليوم لاجئين عند خصمهم الشيوعي القديم آملين أن تعيدهم حراب المليشيات الشيوعية إلى قصر الرئاسة في كابل.
وتمتد بين الطالبان ودوستم خيوط جبهتين ملتهبتين، الأولى شمالي وشرق كابل. والأخرى في أوساط"بدغيس"في شمال غرب أفغانستان، حيث نقل الطالبان معركتهم لضرب دوستم في عقر داره، بعد أن استولوا في عملية خاطفة، على هرات ووقفت طلائعهم على حدود الجمهوريات السوفيتية منذرة بنقلة قد تغير ما تبقى من وجه التاريخ الحديث.