وبعد أن ختم الله النبوات بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وانتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وانقطع الوحي بوفاته ، فإن الذين يحملون أمانة البلاغ والدعوة إلى الله ، هم العلماء من بعده ، امتثالا لقول الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (1) . وامتثالا لما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا المعنى: ففي حديث زيد بن ثابت عند أبي داود قوله صلى الله عليه وسلم: «"نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلّغه » (2) . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: «"من دعا إلى هُدىً كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا » (3) . وفي حديث أبي مسعود رضي الله عنه عند مسلم أيضًا: «"من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله » (4) . وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قوله: «"بايعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم » (5) .
(1) آل عمران: 104 .
(2) كتاب العلم ، باب فضل نشر العلم ، سنن أبي داود ، تعليق محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر ، بيروت ، 3: 322 .
(3) كتاب العلم ، باب من سنّ في الإسلام سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة ، شرح النووي ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 8: 62 .
(4) كتاب الإمارة ، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير . . . 6: 41 .
(5) رواه البخاري في كتاب الإيمان ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم . . . » ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب بيان أن لا يدخل الجنة إلا المؤمنون . . . « ، فتح الباري ، السلفية ، 1: 137 النووي 1: 54 .