أنه لا يكون ذلك إلا في الجمع الصوري بين الصلوات بأن يصلى الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقته, وكذا فعل بالمغرب والعشاء، فيصير جامعا فعلًا لا وقتًا، وهذا مذهب السادة الحنفية، وأولوا ما جاء في بعض الآثار من الجمع إن صحت على ذلك، قال العلامة الزيلعي في (( تبيين الحقائق ) )1: 89: (( ويحمل تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على أنه تجوز لقربه منه كقوله - جل جلاله: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ } [الطلاق: 3] : أي قاربن بلوغ الأجل؛ إذ لا يقدر على الإمساك بعد بلوغ الأجل، أو يحمل على أن الراوي ظن ذلك، أو ظنّ الراوي أنهما وقعا في وقت واحد، والدليل على صحة هذا التأويل ما سبق ذكره عن ابن عمر وعلي ومثله عن جابر وأبي عثمان وغيرهم - رضي الله عنهم - ) ).
إنه يحمل على الجمع لأجل المرض, وهو قول عطاء, ومالك والحنابلة كما في (( المغني ) )2: 59.
إذا تبين لك ذلك فاعلم أن للفقهاء في الجمع مذاهب، إذ ذهب الحنفية إلى عدم جواز الجمع بين صلاتين في وقت واحد بسبب العذر من سفر أو مطر أو برد أو مرض أو غيرها إلا في عرفة ومزدلفة، ويجوز الجمع بينهما فعلًا بأن يصلى كل واحدة منهما في وقتها، فيصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإنه جمع في حق الفعل، وإن لم يكن جمعًا في الوقت، بدليل:
النصوص القرآنية والحديثية الواردة بتعيين الأوقات فلا يجوز تركها إلا بدليل مثلها، ومنها: قال - جل جلاله: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [الإسراء: 78] ، وقال - عز وجل: { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [النساء: 103] ، وقال - جل جلاله: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } [البقرة: 238] ، وعن أبي ذر قال - صلى الله عليه وسلم: (صلِّ الصلاة لوقتها) [في صحيح مسلم 1: 448] ، وغيرها.