إن قوام الحياة البشرية على العلوم المختلفة، لا سيما ما يتعلق بها حفظ النسل البشري من الهلاك والانقراض مثل علم الطب، وهذا أمرٌ واضح بيِّن نصّ على علماء الإسلام، وفي طليعتهم الفقهاء؛ إذ جعلوه من علوم الكفاية التي لا بدّ لأهل كل بلد من تعلمه؛ ليحفظوا للإنسان والإنسانية حقها في العيش الكريم، وهاهنا أورد بعض عباراتهم الدالة على ذلك على سبيل الإيجاز، والله الموفق إلى الصواب:
قال حجة الإسلام الغزالي (1) : (( العلوم التي ليست بشرعية تنقسم: إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح.
فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب؛ إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإن لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريض أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله... )) .
وقال السيد علوي بن أحمد السقاف (2) : (( ينقسم العلم من حيث هو شرعيًا كان أو غيره غالبًا إلى فرض عين وفرضك كفاية:
فالأول: ما لا رخصة لمكلف في جهله، وهو علم ما تتوقف عليه صحة إيمانه من الأصول الدينية، وعلم ظواهر ما يتلبس به في الحال ولو نفلا من الأحكام الفقهية
(1) ينظر: إحياء علوم الدين 1: 27.
(2) في الفوائد المكية ص12-13.