مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ. (زَادَ مُسْلِمٌ:(وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى) التَّثْنِيَةُ لِلتَّكْرِيرِ وَالِاسْتِيعَابُ. أَيْ وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَحَجَّ، وَاعْتَمَرَ، وَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ. وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ لِلْمُبَالَغَةِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ. (وَزَعَمَ) أَيِ ادَّعَى (أَنَّهُ مُسْلِمٌ) أَيْ كَامِلٌ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَقَالَا: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) وَهُوَ أَقْبَحُ الثَّلَاثَةِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وَإِذَا وَعَدَ) أَيْ أَخْبَرَ بِخَيْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذْ"وَعَدَ"يَغْلِبُ فِي الْخَيْرِ، وَ"أَوْعَدَ"فِي الشَّرِّ، وَأَيْضًا الْخُلْفُ فِي الْوَعِيدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
(أَخْلَفَ) أَيْ جَعَلَ الْوَعْدَ خِلَافًا بِأَنْ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ، وَوَجْهُ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّ الْإِخْلَافَ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ غَيْرُ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ التَّحْدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ؛ لِأَنَّ ذَمَّ الْإِخْلَافِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَضْمِينِهِ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْإِخْلَافِ حَالَ الْوَعْدِ لَا إِنْ طَرَأَ لَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ عَلَامَةَ النِّفَاقِ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهَا، إِذًا الْمَكْرُوهُ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ إِلَى الْحَرَامِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً عَلَى الْمُحَرَّمِ، وَنَظِيرُهُ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ أَمِينًا. وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا مَبْنَى النِّفَاقِ مِنْ مُخَالَفَةِ السِّرِّ الْعَلَنَ، فَالْكَذِبُ الْإِخْبَارُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، وَحَقُّ الْأَمَانَةِ أَنْ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا، فَالْخِيَانَةُ مُخَالَفَةٌ لَهَا، وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ ظَاهِرٌ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِـ"أَخْلَفَ".فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ، قُلْنَا: اللَّامُ فِي الْمُنَافِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَهُوَ إِمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ لِنِفَاقِ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ بِنِفَاقِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يُنَافِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا فِيهِ إِظْهَارٌ بِخِلَافِ مَا أَبْطَنَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الِاعْتِيَادُ؛ وَلِذَا قَيَّدَ هَذَا بِإِذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ يَعْنِي أَنَّ النِّفَاقَ الْعَمَلِيَّ إِذَا وَقَعَ كَثِيرًا بِحَيْثُ إِنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً قَدْ يَجُرُّ إِلَى النِّفَاقِ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْخِصَالُ، أَوْ بَعْضُهَا نَادِرًا، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِ الْمُنَافِقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَنْ يُخَالِفُ سِرُّهُ عَلَنَهُ مُطْلَقًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَالِصًا؛ لِأَنَّ الْخِصَالَ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَنِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ دَاخِلٌ فِي إِذَا