فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 501

اؤْتُمِنَ خَانَ. وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ بَلْ إِلَى وَاحِدَةٍ هِيَ أَقْبَحُهَا، وَهِيَ الْكَذِبُ، قِيلَ: لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا خَمْسَةٌ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِهَا عُرْفًا أَوْ تَغَايُرِ أَوْصَافِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَمَّةَ ثَلَاثٌ، وَهُنَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَ بِالْوَحْيِ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَتُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاقِ الْخَالِصِ، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ إِمَّا مِنْ مُنَافِقِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِمَّا مِنْ مُنَافِقٍ خَاصٍّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ هُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ لَا الْإِيمَانِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ سِرُّهُ خِلَافَ عَلَنِهِ، وَاسْتُحْسِنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِسْلَامِ، وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ الْعَمَلِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ، فَإِرَادَتُهُ هُنَا أَوْلَى. وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِيِّ كَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ).وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَرَّةً هَذَا الْإِطْلَاقَ، وَمَرَّةً قَالَ بِهِ، فَسَمَّى صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُنَافِقًا، وَيُحْكَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرْسَلَ لَهُ عَطَاءٌ إِذْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجِدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ أَفَتَرَاهُمْ مُنَافِقِينَ؟ فَسُرَّ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ ..." [1] "

وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَلْتَفِتُ فَهِيَ أَمَانَةٌ» [2]

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوْ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" [3]

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 126)

(2) - مسند أبي داود الطيالسي (3/ 318) (1870) حسن

قَالَ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ) أَيْ: عِنْدَكَ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (الْحَدِيثَ) أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ إِخْفَاءَهُ (ثُمَّ الْتَفَتَ) أَيْ: غَابَ عَنْكَ أَوْ عَنْهُ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ (فَهِيَ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثُ وَأَنْتَ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (أَمَانَةٌ) .وَقِيلَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى الْحِكَايَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَمَانَةِ، فَلَا يَحُوزُ إِضَاعَتُهَا بِإِشَاعَتِهَا، وَقَدْ فَسَّرَ الْمُظْهِرُ قَوْلَهُ: الْتَفَتَ بِغَابَ، وَحِينَئِذٍ، ثُمَّ عَلَى بَابِهِ مِنَ التَّرَاخِي الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ حُكْمُ التَّعْقِيبِ بِالْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْتَفَتَ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْتِفَاتِ خَاطِرِهِ إِلَى مَا تَكَلَّمَ، فَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا احْتِيَاطًا، فَثُمَّ هُنَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا تَرَتُّبُ الْفَاءِ، وَأَنَّ الثَّانِي مُسَبَّبٌ عَنِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: هَذَا تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ غَيْرُ مُخَصَّصٍ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَالْفَاءُ لَازِمَةٌ لِلْجَزَاءِ، فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، وَحَاصِلُهُ إِجْمَالًا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآتِي الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3166)

(3) - سنن أبي داود (4/ 268) (4869) فيه جهالة

"الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ) أَيْ: إِحْدَى الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَجَالِسِ، وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا رَأَى أَهْلَ مَجْلِسٍ عَلَى مُنْكَرٍ أَنْ لَا يَشِيعَ مَا رَأَى مِنْهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ (سَفْكُ دَمٍ) :بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هِيَ مَجْلِسُ إِرَاقَةِ دَمٍ (حَرَامٍ) ،بِالْجَرِّ صِفَةُ دَمٍ أَيْ دَمٌ حَرَامٌ سَفْكُهُ أَوْ دَمٌ مُحْتَرَمٌ فِي الشَّرْعِ (أَوْ فَرَجٌ حَرَامٌ، أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) .قَيْدٌ لِلْأَخِيرِ فَقَطْ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ حَرَامٍ هُنَا لِأَجْلِ مَفْهُومِهِ مِنَ الْحَلَالِ، فَإِنَّ اقْتِطَاعَ مَالِ النَّاسِ ظُلْمًا حَرَامٌ، سَوَاءٌ يَكُونُ الْمَالُ حَلَالًا أَمْ حَرَامًا، فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالِاقْتِطَاعِ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُظْهِرُ: كَمَا إِذَا سَمِعَ مَنْ قَالَ فِي مَجْلِسٍ: أُرِيدُ قَتْلَ فُلَانٍ أَوِ الزِّنَا بِفُلَانَةٍ أَوْ أَخْذَ مَالِ فُلَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ سَتْرُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى حَذَرِ مِنْهُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3166) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت