الصفحة 12 من 16

وعلى كل حال فإن مسألة زيادة الثقة ينبغي طرحها في ضوء صلتها الوثيقة بالأنواع التي سبق البحث فيها، لكنه (رحمه الله تعالى) حين توسط بين نهج الفقهاء والأصوليين في معالجة مسألة زيادة الثقة ، وبين طريقة المحدثين النقاد - كما نص على ذلك الحافظ العلائي - [70] جاء التقسيم والقبول والرد فيها على أساس وجود المنافاة وعدمها، وهذه النظرة تعد غريبة في منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع الملابسات والقرائن في الرواية. ومنهجهم هذا في تحري المرويات والمنقولات يكون هو الصواب؛ إذ لو كان رد الحديث المخالف متوقفا على وجود المنافاة وحدها للزم أن نضيف إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقله إذ لا يكون بالضرورة أن يكون (صلى الله عليه وسلم) قد قال كل ما أضيف إليه بأي شكل كان بمجرد عدم المنافاة لما رواه الناس أو الأوثق، وكذا الأمر في كل ما يضاف إلى الرواة الذين اختلف عليهم بذلك.

ونخلص أخيرا إلى أن الحكم في زيادة الثقة أو فيما ينفرد به عموما متوقف على نوعية القرائن والملابسات التي تحتف بها، وعلى هذا الأساس جاء عمل أولئك النقاد في كتب العلل والصحاح وكتب الضعفاء، وجاءت نصوص كثيرة عن كثير من المحققين تؤكد ذلك، ونذكر هنا بعضا منها.

يقول ابن دقيق العيد: ''من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنهم إذا تعارض رواية مسنِد ومرسِل أو رافع وواقف أو ناقص وزائد إن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق فإن ذلك ليس قانونا مطردا، والمراجعة لأحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول'' [71] .

ويقول العلائي: ''كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث'' [72] .

ويقول في موضع آخر ''ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده -والله أعلم-'' [73] .

ويقول الحافظ ابن حجر: ''…والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال'' [74]

ويقول البقاعي: ''إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرا لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون منها بحكم مطرد، وإنما يديرون ذلك على القرائن'' [75]

ويقول ابن الوزير: ''وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال، وهو موضع اجتهاد'' [76] .

وهذه النصوص كلها كانت متفقة على أن قبول زيادة الثقة أو ما ينفرد به الراوي عموما وردها يدوران على نوعية المرجحات والقرائن، بغض النظر عن وجود المنافاة وعدمها، وهو خلاف ما لاحظناه في مسألة زيادة الثقة التي تناولتها كتب المصطلح على أشكال مختلفة.

وبقي هنا شيء آخر ينبغي ذكره، وهو ما يخص الحديث الفرد الذي تفرد به الثقة من أصل الحديث، فقد نقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي اتفاق العلماء على قبوله مطلقا، وهذا غير سليم؛ لأن قبول هذا النوع ليس على الإطلاق، وليس هو محل اتفاق لدى المحدثين، وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر حين قال: ''ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان يكون مقبولا'' [77] ، على أن الإمام ابن الصلاح نفسه قد أشار إلى ذلك بقوله في مبحث العلة: ''ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي مع قرائن تنضم إليه تنبه العارف بهذا الشأن''، فما أطلقه هنا من قبول ما تفرد به الثقة لا يكون سليما لتناقضه مع مبحث العلة الذي جعل الحكم فيه منوطا بنوعية القرائن التي تحف بالحديث المتفرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت