الصفحة 7 من 16

قال الإمام ابن الصلاح (رحمه الله تعالى) :

فالحديث المعلل هو: ''الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه'' [32] .

وقوله الذي وضعنا تحته الخط يضم مسألة زيادة الثقة بشكل واضح، وذلك أن المخالفة بين الرواة تكون في صور أشار إليها ابن الصلاح آنفا. وهي وصل المرسَل، ورفع الموقوف، وتداخل الأحاديث، وغير ذلك من الأوهام، ومن أظهر صور هذه المخالفة وأكثرها وقوعا أن يزيد أحدهم في الحديث ما لم يذكره غيره إما في الإسناد، أو في المتن أو في كليهما. فإذا زاد الثقة راويا أو كلمة أسقطها غيره من الرواة، ظهرت المخالفة بينهم، وبذلك أصبحت مسألة زيادة الثقة داخلة في نوع العلة.

وما ذكره ابن الصلاح في هذا النوع من تفاصيل الحكم يتسم بغاية من الدقة؛ إذ جعل حكم الحديث الذي يتفرد به الراوي الثقة أو خالف فيه غيره من الثقات دائرا على القرائن المحيطة بذلك الحديث. وهذا بعينه منهج المحدثين النقاد في معالجة ظاهرة المخالفة والتفرد، التي تشهدها أحاديث الثقات والضعفاء، ليتم لهم تمييز الخطأ عن الصواب. ولذا فإن جميع الأنواع التي تشترك مع نوع ''العلة'' في نقطتي التفرد والمخالفة يجب أن يكون الحكم فيها دائرا على القرائن وحدها، ومن تلك الأنواع مسألة ''زيادة الثقة''، وفي ضوء ذلك يمكن استخلاص حكم زيادة الثقة بما يلي:

أنه إذا دلت القرينة على أن الثقة حين زاد في الحديث كلمة، كان واهما أو ناسيا، فتعد الزيادة معلولة، وأما إذا لم تدل القرينة على ذلك فإنها قد تكون صحيحة أو حسنة؛ وذلك تبعا لدلالة القرائن المحيطة بالحديث وقوتها ووضوحها لدى النقاد.

ويتضح ذلك جليا من قول الحافظ ابن حجر وهذا نصه:

''وهذا (يعني قبول زيادة الثقة مطلقا) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيى الدين النووي في مصنفاته. وفيه نظر كثير؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتنى بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة''.

''وقد نص الشافعي في ''الأم'' على نحو هذا فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث (فقد عتق منه ما عتق [33] ) : إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد وهو فرد، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددا أنها تكون مردودة'' [34] . انتهى

وبناء على ذلك فما يتعين فهمه من قول ابن الصلاح فيما يتصل بالعلة، أن زيادة الثقة لها صلة وثيقة بموضوع العلة، وأن قبول الزيادة وردها متوقفان على نوعية القرائن التي تحف بها، فإن دلت القرينة على أن الزيادة وهم من الراوي، فيحكم عليها بالرد، وإن دلت على ثبوتها فتعدّ صحيحة.

ومن الجدير بالذكر أن القرينة تختلف من حديث لآخر، وليس لها ضابط تقاس عليه الأحاديث كلها، وليست محصورة على مخالفة الثقة لعدد من الثقات أو لأوثق منه كما سبق. ولا يتأهل لإدراك نوعية القرائن وطبيعة دلالتها وأبعادها العلمية سوى نقاد الحديث كما أشار إليه ابن الصلاح حين قال: ''مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن''، ويعني بالعارف بهذا الشأن ناقد الحديث دون غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت