لنتمكن من حصر الأنواع التي تشكل مع زيادة الثقة وحدة موضوعية، يتعين علينا الانطلاق من تحديد مفهوم هذه المسألة؛ ولذا نقول إن المقصود منها: أن يروي جماعة حديثا واحدا بإسناد واحد، فيزيد بعض الثقات فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة، [14] سواء أكان ذلك في السند أم في المتن أم كان في كليهما. ولذا فإن هذه المسألة تشمل جميع صور الزيادة التي تقع من الثقة، سواء أكان الثقة واحدا أم أكثر، وسواء أكانت الزيادة صحيحة أم ضعيفة، وسواء أكانت في السند والمتن أم في أحدهما. ويستثنى منها ما يذكره الصحابي من الزيادات فإنها مقبولة دون خلاف [15] .
هذا وقد نص الحافظ ابن حجر على أن في زيادة الثقة ما هو مقبول وما هو مردود تبعا للقرائن المحيطة بها، وقد يكون من القرائن ما يدل على أن الزيادة مدرجة في الحديث، وأنها كانت من قول فلان، أو من حديث آخر. يقول الحافظ في صدد قبول الزيادة وردها ضمن دفاعه مجملا عن الإمام البخاري، حيث انتقده الإمام الدارقطني في ذلك:
'' ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في الحديث الرابع والثلاثين'' [16] ، وعليه فهذا النوع من الزيادات يكون مردودا لثبوت إدراج تلك الزيادة في الحديث، يعني أن ما أدرجه الثقة لا يكون من لفظ الحديث وغير مقبول جعله جزءا منه.
وإن كانت زيادة الثقة تشمل السند والمتن، فمسألة تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، والمزيد في متصل الأسانيد، وتعارض الزيادة والنقص في المتن، والشاذ والمنكر والمعلول عموما، تشكل أساسيات في زيادة الثقة. وهي إما أن تكون صحيحة أو ضعيفة، وذلك لأنه إذا تبين للناقد أن الراوي الثقة لم يكن واهما حين زاد في الحديث؛ لوجود قرائن تدل على ذلك، فيكون ما زاده صحيحا. وإذا تبين أن الراوي كان واهما لكونه قد أدرج في الحديث ما ليس منه بسبب الاختلاط، أو لنقله بالمعنى، أو غير ذلك من الأسباب فتكون تلك الزيادة معلولة، وإن شئت سمها شاذة، أو منكرة [17] ، أو مدرجة، أو مقلوبة. وإذا لم يتبين الخطأ ولا الصواب في تلك الزيادة التي زادها أحد الثقات فتصير مقبولة نظرا إلى الأصل في حاله. ومن ثم فإن زيادة الثقة لا تشكل نوعا مستقلا عن تلك الأنواع المذكورة، وإنما تكون متداخلة فيها. وعلى هذا الواقع ينبغي أن نعالجها ونبين تفاصيلها ونؤسس أحكامها وفق منهج المحدثين الحفاظ.
وأما إذا تناولنا مسألة 'زيادة الثقة' باعتبار كونها نوعا مستقلا لا يتصل بتلك الأنواع وبشكل تلفيقي بين مناهج مختلفة فتزداد المسألة تعقيدا وغموضا ولبسا عند تنظيرها وتطبيقها، وآثار ذلك في كثير من البحوث المعاصرة واضحة جدا.
ولتكون المسألة أكثر وضوحا فإني أذكر فيما يلي مثالين فقط: