الصفحة 6 من 16

أما النوع الذي يعده بعض المعاصرين [21] من قبيل زيادة الثقة دون أن يكون منها حقيقة فمثاله ما روى أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة ''أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين'' [22] . ورواه أيضا عن المغيرة جماعة كثيرة من أهل المدينة والكوفة والبصرة، لكن بلفظ: ''أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين'' [23] .

وقال ابن دقيق العيد: ''ومن يصححه يَعتمد بعدَ تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها'' [24] . ولعل ابن دقيق العيد قصد بذلك الإمام الترمذي لأنه هو الذي صحح هذا الحديث حيث قال في سننه: ''حسن صحيح'' [25] .

وقال بعض الأفاضل مؤيدا للإمام الترمذي في تصحيحه لهذا الحديث: ''أعله بعض العلماء بعلة غير قادحة، منهم أبو داود فقد قال عقبه: 'كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين'، وهذا ليس بشيء لأن السند صحيح ورجاله ثقات، وليس فيه مخالفة لحديث المغيرة المعروف في المسح على الخفين فقط، بل فيه زيادة عليه، والزيادة من الثقة مقبولة كما هو المقرر في المصطلح، فالحق أن ما فيه حادثة أخرى غير الحادثة التي فيها المسح على الخفين ، وقد أشار لهذا العلامةُ ابن دقيق العيد، وقد ذكر قوله الزيلعي في نصب الراية [26] .

قلت:يعني بذلك قول ابن دقيق العيد: ''بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه''، ووجه الإشارة: أنه لا يعقل أنه صلى الله عليه وسلم مسح الخفين والجوربين جميعا في حادثة واحدة، فدل ذلك على تعددها. ولعل هذا مجرد توجيه منه لتصحيح الترمذي ذلك الحديث.

ونحن ذكرنا هذا المثال في هذه المناسبة لأن حديث هزيل بن شرحبيل جعله البعض من قبيل زيادة الثقة، ثم أتبعه القول: ''والزيادة من الثقة مقبولة كما هو المقرر في المصطلح'' [27] .

أقول: ليس هذا الحديث من نوع زيادة الثقة لأن هزيل بن شرحبيل لم يرو عن المغيرة ''مسح الخفين'' أصلا، حتى يقال إنه زاد في لفظ الحديث، وإنما استبدل حديث المغيرة في المسح على الجوربين والنعلين، بما اشتهر عن المغيرة من حديث المسح على الخفين، ويكون بذلك قد خالف الناس في نقل الحديث من أصله عن المغيرة، وهذا هو رأي النقاد.

يقول علي بن المديني: ''حديث مسح الخفين رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس'' [28] .

ويقول ابن معين: ''الناس كلهم يروون المسح على الخفين غير أبي قيس'' [29] . يعني عن المغيرة. وكذا أعله سفيان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ومسلم والبيهقي [30] .

ومن هنا أصبح الفرق واضحا بين المثالين السابقين؛ لأنه إذا كان الحديث الأول مثالا لزيادة الثقة، فإن الحديث الثاني يكون نموذجا لتفرد الراوي الثقة بالحديث من أصله، فقد قال الحافظ ابن حجر: إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر [31] .

وبعد تحديد المقصود من مصطلح ''زيادة الثقة'' وإزالة الغموض عن مدلوله آن الأوان لندخل في دراسة هذا النوع في كتب المصطلح، وعلاقته بالمعلول والشاذ والمنكر. وقد آثرنا في ذلك كتاب ابن الصلاح؛ لأن معظم الكتب في مصطلح الحديث التي جاءت بعده قد انتهجت منهجه في معالجة زيادة الثقة دون استدراك عليه ولا نقد يذكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت