الصفحة 3 من 16

وإليك من النصوص ما يؤيد ذلك:

قال ابن رجب الحنبلي: ''وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفا حسنا سماه"تمييز المزيد في متصل الأسانيد"وقسمه قسمين: أحدهما ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها، والثاني ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها، ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقا كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء وهذا يخالف تصرفه في كتاب تمييز المزيد، وقد عاب تصرفه في كتاب"تمييز المزيد"بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية'' [6] .

ويقول البقاعي: ''إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرا لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يديرون ذلك على القرائن'' [7] .

ويقول الحافظ العلائي: ''وأما الشيخ تقي الدين بن الصلاح فإنه توسط بين أهل الحديث وأئمة الأصول، وقسم الزيادة إلى ثلاثة أقسام'' [8]

والجدير بالذكر أن هذه المسألة من تلك الأنواع التي يجب الرجوع فيها إلى نقاد الحديث وحدهم لكونها في صلب تخصصاتهم النقدية، ولأن منهجهم في نقد المرويات ينبغي أن يكون وحده المعول عليه في معرفة المقبول والمردود من زيادات الثقات؛ إذ كانت حجتهم في ذلك حفظ الأحاديث وفهم محتواها ومعرفة ملابسات رواياتها، ولذا لا يكون كافيا في قبول الزيادات أن يعتمد على ثقة راويها وإتقانه اعتمادا كليا بحجة أن النقاد جعلوا ذلك قرينة لقبولها في بعض المرويات؛ إذ إنه لا يلزم أن تكون تلك القرينة هي نفسها صالحة للاعتماد في المرويات الأخرى.

وقد أكد ذلك أئمتنا الحفاظ، يقول الحافظ العلائي: ''ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص. وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات. ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده.والله أعلم'' [9] .

ويقول الحافظ ابن حجر: ''يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك ( يعني في التصحيح والتضعيف) ، والتسليم لهم فيه'' [10] .

ويقول أيضا:''…فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه'' [11] .

ويقول الحافظ ابن كثير: ''أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم'' [12] .

ويقول السخاوي: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح اهـ [13] .

وتظهر مما ذكرنا أهمية دراستنا لـ''مسألة زيادة الثقة'' دراسة نقدية مركزة على الجانب الذي يكون فيه حل مباشر للمعضلات العلمية التي أشرنا إليها آنفا، وبعيدة عن أسلوب الحشو والتكرار، عسى أن نحقق بذلك الهدفَ الذي نصبو إليه من وراء كتابة هذا البحث.

ولذلك عقدنا هذا البحث لننظر ماذا تقرر في كتب المصطلح التي نعدها مصادر أصيلة في علوم الحديث: قبول الزيادة من الثقة مطلقا أو مقيدا، وما رأي المحدثين الحفاظ في ذلك. دون أن نتطرق إلى القضايا الأخرى التي أفاض فيها السابقون، وذلك من خلال تتبع الأنواع والمصطلحات التي لها صلة وثيقة بمسألة زيادة الثقة حتى نخرج بنتيجة علمية موحدة ومؤسسة، وهذا أهم جوانب هذه المسألة الذي لم نر له أثرا في البحوث المعاصرة. وكان علي أن أذكر أمثلة لكل نقطة أتطرق لها في هذا البحث، لكني آثرت عدم ذكرها خشية الطول، ونزولا عند قواعد النشر العلمي وقوانينه التي تقتضي أن يتقيد البحث العلمي بصفحات معدودة، بل كلمات محددة.

ومن الجدير بالذكر أن مسألة زيادة الثقة قد وردت في مواضع متفرقة من كتب المصطلح؛ مرة تحت عنوان ''زيادة الثقة''، وأخرى ضمن أنواع متعددة؛ مثل ''المعلول''، و''الشاذ''، و''المنكر''، وغيرها؛ مما أدى إلى تغاير حكم هذه المسألة على أشكال مختلفة، ونجملها فيما يلي:

أولا: أن يدور القبول والرد فيما زاده الثقة على القرائن والملابسات، فلا تقبل الزيادة ولا ترد إلا بمقتضى القرائن المحيطة بها، ولا ينهض بذلك إلا نقاد الحديث. وذلك خلاصة حكم زيادة الثقة المذكورة ضمنا في نوع ''العلة''.

ثانيا: أن يكون حال الراوي ميزانا للقبول والرد؛ فإن كان راوي الزيادة أوثق وأحفظ فهي مقبولة، وإلا فمردودة، وهو خلاصة حكم زيادة الثقة المبينة ضمنا في نوعي ''الشاذ'' و''المنكر''.

ثالثا: أن يكون معيار الرد هو أن تكون الزيادة منافية لما رواه الناس، فلا تكون مردودة إلا في حالة منافاتها لما رواه الناس، وأما في غير ذلك فالزيادة مترددة بين القبول والرد، وهو ما خلص إليه حكم الزيادة صراحة في نوع ''زيادة الثقة''.

وهكذا وقع حكم زيادة الثقة غير منضبط بقواعد النقد المتبعة لدى المحدثين المتقدمين، وعلى صور مختلفة تكاد تكون قريبة من منهج علماء الكلام والأصول، ومع ذلك فلا يصفو كثير منها من كدر الإشكال عند التنظير، والاضطراب عند التطبيق.

وإذ نعرض هذا البحث من الزاوية النقدية، فإننا لا نقصد بذلك أن نتحامل على أحد من علمائنا الصالحين الذين ندين الله باحترامهم وحبهم، وإنما نسعى فقط إلى إحياء منهج المحدثين النقاد في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال مسألة جزئية حساسة من مسائل علوم الحديث، معلنين براءتنا في الوقت نفسه من جميع ما قد يفهم خطأ من أسلوبنا النقدي من منافاة مع المبادئ الإسلامية في احترام سلفنا الصالح . [إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب] .

فرحم الله تعالى كل من خدم هذا العلم بإخلاص، وجزاهم أحسن جزاء، وتقبل الله منا هذا الجهد قبولا حسنا، ووقانا الله وإياكم من شرور أخطائنا وأوهامنا، فسبحان من لا يخطئ ولا يسهو.

هذا ونظرًا لما اقتضته المادة العلمية لهذا الموضوع من بسط وتوسعة، وما تتطلبه أبعاده وجوانبه من توضيح وتأسيس، ارتأيت أن أقسم البحث إلى أربعة مباحث:

المبحث الأول: ماذا نعني بمسألة زيادة الثقة.

والمبحث الثاني: المعلول وعلاقته بزيادة الثقة.

والمبحث الثالث: الشاذ والمنكر وعلاقتهما بزيادة الثقة.

والمبحث الرابع: مسألة زيادة الثقة وتأصيلها في كتب المصطلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت