وقال ابن الصلاح في مبحث زيادة الثقة:
''ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه ناقصا مرة ورواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا. خلافا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقا، وخلافا لمن رد الزيادة منه وقبلها من غيره. وقد قدمنا عنه حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديث قوم وأرسله قوم: أن الحكم لمن أرسله، مع أن وصله زيادة من الثقة''.
''وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:
أحدها أن يقع مخالفا منافيا لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ ''.
''الثاني: أن لا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا ، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ''.
''الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين ، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث. مثاله: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين'' [49] .
''فذكر أبو عيسى الترمذي [50] : أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله ''من المسلمين'' وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة، فأخذ بها غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد رضي الله عنهم، والله أعلم.
ومن أمثلة ذلك حديث: 'جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا' [51] فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي، وسائر الروايات لفظها: وجعلت الأرض مسجدا وطهورا ''.
''فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بها الحكم. ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما ''
''وأما زيادة الوصل مع الإرسال فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قدم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل. والله أعلم'' [52] اهـ.
لعل من الأفضل أن نقوم بتحليل هذه النصوص لننظر: كيف كان الحكم في زيادة الثقة التي أفرد ابن الصلاح موضوعها كنوع مستقل من أنواع علوم الحديث. وهل روعيت في هذا الحكم صلتها الوثيقة بالأنواع المذكورة. أم أن الحكم مبني على أن زيادة الثقة نوع مستقل له أبعاده وخصائصه.
لقد سرد الإمام ابن الصلاح في مستهل حديثه عن هذا النوع طائفة من الآراء المتباينة حول زيادة الثقة، فحكى فيه آراء الفقهاء والمحدثين بشكل لا يصفو للقارئ من كدر الإشكال والغموض. ولعل ابن الصلاح أحس بذلك في نفسه، ولهذا تحول إلى تقسيم الخبر الذي ينفرد به الثقة عموما إلى ثلاثة أقسام بعد أن ذكر في نوعي الشاذ والمنكر أقسام ما ينفرد به الراوي دون تقييده بالثقة، وذلك لترتسم في ذهن القارئ الصورة الحقيقية لهذه المسألة تمهيدا لفصل الحكم فيها، لكنه في آخر الأمر توقف عن إعطاء حكم مناسب لمسألة زيادة الثقة، حين قال:
''الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث،'' ثم ختمه بقوله بعد سرد الأمثلة: ''فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بها الحكم، ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما''.
إذن فلم يبت ابن الصلاح الحكم هنا في زيادة الثقة، وهذا ما قاله الحافظ ابن حجر: ''لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال'' [53] .