فإذا قيل: إن ما قاله ابن الصلاح في نوع الشاذ يتسم بالدقة؛ حيث يكون سياق كلامه منسجما مع تفاصيل مبحث العلة، وهو اعتبار القرائن في رد زيادة الثقة، ولم يجعل أحوال الرواة معولا عليها في الرد والقبول، إذ قال (رحمه الله) : ''فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك'' أي لذلك الحديث، ولم يقل: ''لما رواه أوثق منه '' كما وقع في نصوص اللاحقين، ويوجد بين السياقين فرق واضح؛ فإن كون الراوي أولى من غيره بحفظ ذلك الحديث الذي وقع فيه الخلاف بينهم لا يعرف إلا من خلال تتبع القرائن والملابسات، وهي كثيرة وغير محددة بالنسبة إلى كل حديث، ولذلك فإن التعويل في مثل هذه المسألة على كون الراوي أثبت وأحفظ وأضبط لا يكون مطردا، وقد يكون هذا أصلا معتمدا في قبول ما رواه أو زاده لكن فقط في حالة ما إذا لم تتوفر فيه القرائن الدالة على أن ذلك خطأ ووهم كما سبق ذكره.
وكذلك كلام الحافظ ابن حجر في هذا الموضوع جاء منسجما مع نوع العلة، حيث نقل عنه السخاوي في فتح المغيث [47] أنه قال: ''فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله المرجوح ويقال له الشاذ ، والله أعلم''. وقوله: لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات دليل على أن الحافظ لم يكن معتمدا على حال الراوي وحده في قبول الزيادات وردها.
يقال: بأن تلك الجملة وإن كانت واضحة في إفادة ذلك الذي قلناه آنفا، فإن سياق النصوص يفيد أن الحكم منوط بأحوال الرواة، وليس بالقرائن، فقد قال ابن الصلاح (رحمه الله تعالى) :
''فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر ، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.''
ويفهم من هذا النص أن ميزان القبول والرد هو الحال العام للراوي، حيث جاء قوله على هذا النسق: ''فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذاك، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به''، فدل على أن أحوال الرواة هي التي تعتمد أساسا في قبول التفرد ورده.
وأما إذا كان المقصود من الفقرة الأولى هو كون الراوي مخالفا لمن هو أولى بحفظ ذلك الحديث فإن الأقسام التالية يجب أن يكون تقسيمها مبنيا على مدى ضعف الراوي في حفظ ذلك الحديث وضبطه وإن كان من أوثق الناس، وليس على تفاوته في الضبط والإتقان بشكل عام كما هو الظاهر من ذلك النص. والفرق بين هاتين الصورتين جلي حيث إن معيار القبول والرد في الصورة الأولى هو القرائن والملابسات، وفي الثانية حال الراوي فقط.
ولذلك جاء تلخيص المتأخرين لتلك الجملة مطابقا لسياق الجمل التي تليها. وانظر على سبيل المثال قول ابن الملقن وهو يلخص ذلك النص: ''أن الراوي إذا انفرد بشيء فإن كان مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط كان تفرده شاذا مردودا'' [48] فجعل سبب الترجيح محصورا على كون الراوي أوثق وأضبط على الوجه العام، إذ لم يقل: ''أولى بحفظ ذلك''.
والذي نخلص إليه من دراسة نوعي الشاذ والمنكر أن زيادة الثقة التي سقط عنها الأوثق تعد مردودة لكونها داخلة في الشاذ أو المنكر، وأما إذا كانت الزيادة من الأوثق فهي مقبولة لخروجها من حدود هذين النوعين. وبالتالي أصبح القبول والرد في زيادة الثقة دائرين على حال الراوي، وهو خلاف ما سبق في نوع المعلول من دوران الحكم على القرائن.
ولكي تكون أحكام هذه الأنواع موحدة ومنسجمة مع منهج المحدثين النقاد في قبول الأحاديث وردها يجب أن يؤخذ ذلك الترابط الموضوعي الوثيق بعين الاعتبار حين يطرح كل منها للدراسة والبحث، كما يجب أن يجعل ما سبق في مبحث العلة ميزانا دقيقا لجميع أنواع علوم الحديث التي تشكل معها وحدة موضوعية. وإن كان هذا الأسلوب هو المتعين في معالجة موضوع زيادة الثقة بشكل خاص فيا ترى كيف عالج ابن الصلاح وغيره هذه المسألة حين أفردوها بالذكر كنوع مستقل؟ وكيف كان تأصيلهم لها؟ هذا ما سندرسه فيما يلي.