لقد ذكر في كتب المصطلح: مقدمة ابن الصلاح وما بعدها، موضوع ''زيادة الثقة'' مرة تحت عنوان خاص، وأخرى ضمن أنواع متعددة، مثل''المعلول'' و''الشاذ'' و''المنكر'' وغيرها، فعند دراسة هذه الأنواع دراسة تحليلية ومقارنة نجدها تشكل وحدة موضوعية، يجب اعتبارها عند تفصيل الأحكام، وعلى الرغم من ذلك فإن حكم زيادة الثقة في تلك الكتب متفاوت؛ يوافق حينا منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، وفي آخر طريقة الفقهاء المتأخرين، وفي الثالث منهجا متوسطا بينهما.
لذا جاء هذا البحث ليجلِّيَ هذه المسألة وفق منهجية أرجو أن تكون منضبطة بقواعد النقد عند المحدثين، ثم ليؤكدَ الوحدة الموضوعية بين زيادة الثقة وتلك الأنواع، ويزيلَ التوهم المفترض عند بعض الدارسين في أن زيادة الثقة نوع قائم بذاته. وكان كل ذلك مستمدا من نصوص علمائنا السابقين. وبهذا فإني أتطلع إلى أن يكون هذا البحث إضافة علمية تتسم بالجدية والجدة في هذا العلم. إن شاء الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن مسألة ''زيادة الثقة'' تشكل نقطة علمية حساسة من بين مسائل علوم الحديث لكونها مصدرا لكثير من الأحكام الفقهية والقضايا العقدية والسلوكية التي اختلف العلماء فيها قديما، أو التي يثار حولها اختلاف من جديد، ولذلك أصبحت هذه المسألة محل اهتمام بالغ من العلماء قديما وحديثا، حيث عقدوا لها مبحثا خاصا في كتب المصطلح، بل صدرت عن بعضهم بحوث مستقلة في سبيل معالجتها تنظيرا وتطبيقا، وعلى الرغم من ذلك كله فإن مسألة زيادة الثقة لا يزال يكتنفها كثير من الغموض، ونجمت عن ذلك آثار سلبية تعاني منها الأمة الإسلامية في كثير من المجالات الشرعية، ومن أخطرها ما نلمسه في كتب بعض المعاصرين من إطلاق القول بأن ''زيادة الثقة مقبولة كما هو المقرر في كتب المصطلح''؛ ليتخذوا ذلك ذريعة لتصحيح ما أعله نقاد الحديث من زيادات الثقات، إذ يكمن في ذلك طمس تدريجي لأهم معالم النقد عند المحدثين.
وإذا كان النقاد قد نصوا في بعض المناسبات على قبول زيادة الثقة أو الأوثق [1] ؛ بحيث يخيل إلى القارئ المستعجل أن موقفهم في ذلك هو القبول المطلق، فإن عملهم النقدي المتمثل في رد الزيادة مرة وقبولها أخرى بغض النظر عن حال الراوي الثقة أو الأوثق يكون كافيا للتفسير بأن ذلك ليس حكما مطردا منهم، وإنما قبلوا فقط بمقتضى القرائن المحيطة بها [2] ، أو بالرجوع إلى الأصل في حال الراوي الثقة الذي زاد في الحديث، بعد تأكدهم من سلامته من جميع الملابسات الدالة على احتمال الخطأ والوهم أو النسيان. ولذلك يكون قول الإمام أبي عبد الله الحاكم في نوع العلة: ''والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير'' [3] من أحسن ما ينبغي أن يقال في مجال زيادة الثقة.
ولعل من أكثر العوامل إسهاما في بقاء مسألة زيادة الثقة بعيدة عن منهج المحدثين النقاد في التنظير والتطبيق عند كثير من المعاصرين ما قد يلمس في مقدمة ابن الصلاح وما بعدها من كتب المصطلح من غياب الوحدة الموضوعية بين زيادة الثقة وبين ما يتصل بها من الأنواع كالشاذ والمنكر والعلة وغيرها، إذ كانت مطروقة في مواضع متباعدة منها، [4] دون التركيز على بلورة الصلة فيما بينها، بحيث يخيل إلى القارئ أنها أنواع مستقلة يتميز كل منها بأبعاده وخصائصه عن الآخر.
وكذلك ظاهرة التلفيق بين طريقة الفقهاء، والأصوليين، وطريقة المحدثين في معالجة هذه المسألة، كان لها دور كبير في تعقيد أمرها، وأول كتاب نجده قد انتهج هذا الأسلوب المزدوج هو كتاب '' الكفاية'' للخطيب البغدادي [5] ، ثم أصبح ذلك منهجا مستقرا عند اللاحقين؛ إذ وسعوا في كتبهم سردَ آراء أهل الكلام والأصول حول تلك المسألة، مع ذكر حجج كل منهم، حتى طغت آراؤهم فيها على رأي نقاد الحديث.