قال ابن الصلاح في نوع ''الشاذ'' بعد ذكر الآراء المختلفة حول مدلوله:
''فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة''.
''وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه: فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ، والله أعلم''. [35]
وقال في نوع المنكر: ''والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ، وعند هذا نقول: المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه''.
''مثال الأول (وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات) رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم [36] . فخالف مالك غيره من الثقات في قوله 'عمر بن عثمان' بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز: أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: 'عمرو بن عثمان' -يعني بفتح العين- وذكر أن مالكا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعا ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو - بفتح العين - وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه. والله أعلم ''
''ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده -: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق. تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده والله أعلم'' [37] .اهـ
إن الشاذ والمنكر نوعان آخران من أنواع علوم الحديث التي تقوم عليها مسألة زيادة الثقة بشكل أساسي، وذلك إذا كان الشاذ ينقسم عند ابن الصلاح إلى الحديث الفرد المخالف، والحديث الفرد الذي ينفرد به الضعيف دون أن تكون فيه مخالفة لما رواه غيره فإن القسم الأول يكون قد شمل ما رواه الثقة مخالفا لمن هو أولى بحفظ ذلك، وتكون لهذه المخالفة صور شتى، منها الزيادة والنقص في السند أو في المتن أو في كليهما، كما شرحنا في نوع العلة. فإذا زاد الراوي في الحديث ما أسقطه منه من هو أولى بحفظ ذلك الحديث يكون قد دخل في القسم الأول من الشاذ، وأما إذا كان راوي الزيادة أولى بالحفظ ممن لم يذكرها في الحديث فحديثه صحيح، ولا يكون شاذا، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن إطلاق القبول في زيادة الثقة ينبغي أن يكون على مراعاة الأمور والملابسات التي تجعل راويها أولى بحفظها.
وبهذا الذي فصله الإمام ابن الصلاح في نوعي ''الشاذ'' و''المنكر'' مع ذكر الأمثلة يتبين جليا أن زيادات الثقات منها ما يصدق عليه الشاذ والمنكر، وذلك في حالة مخالفة الزيادة لما رواه من هو أولى بالحفظ والضبط. وعليه فإن قوله: ''إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا''، وكذلك قوله في الأخير: ''القسم الأول: الحديث الفرد المخالف'' كلاهما يشمل زيادة الراوي في الحديث بشرط أن يكون هو مخالفا لمن هو أولى منه بحفظها.
والجدير بالذكر أن ابن الصلاح قد حدد مفهوم الشاذ والمنكر بما هو أعم مما استقر عليه كثير من اللاحقين، حيث إن الحديث الفرد المخالف سواء كان راويه ثقة أم ضعيفا، وكذا الحديث الفرد الذي انفرد به الضعيف من أصله دون وجود مخالفة فيه لما رواه الآخرون أصبحا من مدلولات الشاذ والمنكر في رأي الإمام ابن الصلاح، على حين أن كثيرا من اللاحقين وجل المعاصرين يذهبون إلى أن الشاذ خاص بما رواه الثقة أو الصدوق مخالفا للأوثق أو جماعة من الثقات. وأن المنكر مقيد بما رواه الضعيف مخالفا للثقة. ولهذا وقع تعديل طفيف في نص ابن الصلاح حين لخصه اللاحقون في كتبهم، وإليك بعض النصوص على سبيل المثال:
قال السيوطي: ''فالصحيح التفصيل فإن كان الثقة بتفرده مخالفا أحفظ منه وأضبط كان شاذا مردودا، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر: أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في حد الشاذ بحسب الاصطلاح'' [38] ، وقد أورد لذلك أمثلة من أحاديث الثقات . ثم ذكر في 'المنكر' نقلا عن الحافظ ابن حجر: ''إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة ، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق ، والمنكر راويه ضعيف. وقد غفل من سوى بينهما'' [39] . لعله يريد به ابنَ الصلاح.
وقال العراقي في تعريف الشاذ: ''وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملأ'' [40] وبين السخاوي صورة المخالفة بما يلي: ''أي بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن'' [41] .
وهذه النصوص متفقة على أن الشرط في الشاذ هو أن يكون راويه ثقة مع وجود المخالفة بينه وبين من هو أوثق منه وأحفظ، وعليه فلا يعدُّ حديث الضعيف في هذه الحالة شاذا بل يكون منكرا.
والجدير بالذكر أنه لا فائدة تذكر في التفريق بينهما بهذا الشكل، بل إن ذلك مخالف لصنيع النقاد حيث يطلقون ''المنكر'' على الحديث إذا لم يكن معروفا عن الشخص الذي أضيف إليه سواء أ كان ذلك من ثقة أم ضعيف [42] .
وأما الآخرون من المتأخرين مثل ابن الملقن والصنعاني فلم يختلفوا مع ابن الصلاح في مفهوم مصطلحي الشاذ والمنكر. يقول ابن الملقن في الموضوع نفسه مختصرا كلام ابن الصلاح:-''والصواب التفصيل: وهو أن الراوي إذا انفرد بشيء فإن كان مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط كان تفرده شاذا مردودا'' [43] . وكذا جاء تلخيص ابن الوزير والصنعاني لقول ابن الصلاح دون تغيير معتبر في سياقه [44]
فالذي يهمنا في هذه المناسبة أن زيادات الثقات فيها ما يصدق عليه الشاذ والمنكر، هذا على رأي ابن الصلاح وغيره، أو الشاذ وحده على رأي الآخرين من المتأخرين. ولذلك نرى الحافظ ابن حجر يصرح بوجود علاقة وثيقة بين الشاذ وزيادة الثقة، حيث يقول تعليقا على ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال:
''وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددا، ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقا فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددا أو أضبط حفظا أو كتابا على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذا أم لا؟ لا بد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض'' [45] .
ويؤكد الحافظ ابن حجر من خلال هذا النص وجود صلة وثيقة بين مسألة زيادة الثقة ومسألة الشاذ، لا سيما حين ألزمهم (رحمه الله) في آخر كلامه أحد الأمرين: الاعتراف بالتناقض بين قبولهم زيادة الثقة مطلقا وبين شرطهم في الصحيح أن لا يكون شاذا، أو أن يأتوا بالفرق بينهما.
ثم قال الحافظ في مبحث الشاذ: ''وعلى المصنف (يعني ابن الصلاح) إشكال أشد منه وذلك أنه يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا كما تقدم، ويقول: إنه لو تعارض الوصل والإرسال قدم الوصل مطلقا سواء كان رواة الإرسال أكثر أو أقل حفظا أم لا، ويختار في تفسير الشاذ أنه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه. وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة أن لا يكون شاذا ؟''.
وتابع الحافظ قائلا: ''هذا في غاية الإشكال، ويمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال ولعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح لأنه هناك لم يصرح عن نفسه باختيار شيء، بل اقتصر على نقل ما عند المحدثين'' [46] .
ويتبين مما سبق أن الحديث الذي وقع فيه الاختلاف بين رواته الثقات بسبب زيادة أحدهم في سنده أو في متنه ينطوي عليه مفهوم الشاذ إذا كانت الزيادة خطأ أو وهما. إذن فلا يطلق القبول فيما زاده الثقة، وهنا حاول الحافظ ابن حجر أن يجيب عن ذلك التناقض بأن الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا هم المحدثون، والذين يقبلون الزيادات التي قد تكون شاذة عند المحدثين هم أهل الفقه والأصول.
هذا وإن أجاب الحافظ ابن حجر عن تناقض الموقف في مبحثي الصحيح و الشاذ بما سبق آنفا فإن ما ذكره ابن الصلاح في مبحث ''العلة'' من دوران الحكم في ما تفرد به الثقة أو فيما خالفه غيره على ما يحيط به من القرائن والملابسات يختلف مع طبيعة تفصيله في نوع الشاذ؛ حيث إن الشاذ هو الحديث الذي خالف فيه الثقة لمن هو أحفظ، وجعل فيه الحكم بأنه مردود بمجرد كونه مخالفا لما رواه الأوثق، ويفهم من ذلك أنه إذا كان الذي زاد في سند الحديث أو في متنه أوثق وأحفظ فزيادته مقبولة، وبذلك أصبح الحكم مخالفا لما بينه في العلة، وإذا كان معنى الشاذ هو ما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق منه فإنه لا يوجد فرق أصلا بين هذا النوع وبين نوع العلة؛ إذ العلة تشمل حالة المخالفة وحالة التفرد .
ويمكن الإجابة عن تفاوت الحكم بين المبحثين بما قاله الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن الصلاح كان ناقلا عن المحدثين في مبحث العلة دون أن يبرز رأيه فيه، وأما في الشاذ فلعله رجح قول الفقهاء وأئمة الأصول، والله أعلم.