فهرس الكتاب
والثاني: أن ما ذكره صلى الله عليه واله وسلم مع القراءة: من صفات الركوع، والسجود، والاعتدال، ونحوه: مأمور به في كل ركعة، كما يفيده هذا الحديث. والمخالف في قراءة الفاتحة في كل ركعة، لا يقول ــــ إنه يكفي الركوع والسجود والاطمئنان في ركعة واحدة من صلاته؛ أو يفرقها في ركعاتها، فكيف يقول: إن القراءة بالفاتحة تنفرد من بين هذه المأمورات بأنها لا تجب إلا في ركعة واحدة، أو يفرق بين الركعات؟ وهذا تفريق بين أجزاء الدليل بلا دليل فتعين حينئذ أن المراد من قوله:"ثم افعل ذلك في صلاتك كلها": في ركعاتها، ثم رأيت بعد كتبه: أنه أخرج أحمد، والبيهقي، وابن حبان بسند صحيح، أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واله قال لخلاد بن رافع وهو المسيء صلاته:"ثم اصنع ذلك في كل ركعة"؛ ولأنه صلى الله عليه واله وسلم كان يقرأ بها في كل ركعة، كما رواه مسلم، وقال:"صلوا كما رأيتموني أصلي".
ثم ظاهر الحديث وجوب قراءتها في سرية وجهرية: للمنفرد، والمؤتم. أما المنفرد فظاهر، وأما المؤتم فدخوله في ذلك واضح، وزاده إيضاحًا في قوله: (وفي أخرى) من رواية عبادة (لأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان: لعلكم تقْرءُون خلفَ إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتابِ، فإنهُ لا صلاة لمنْ لم يقرأ بها) ، فإنه دليل على إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام تخصيصًا، كما دل اللفظ الذي عند الشيخين بعمومه، وهو أيضًا ظاهر في عموم الصلاة: الجهرية، والسرية، وفي كل ركعة أيضًا، وإلى هذا مذهب الشافعية.
وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يقرؤها المؤتم خلف إمامه في الجهرية إذا كان يسمع قراءته، ويقرؤها في السرية، وحيث لا يسمع في الجهرية. وقالت الحنفية: لا يقرؤها المأموم في سرية ولا جهرية، وحديث عبادة: حجة على الجميع.