فهرس الكتاب
المذهب الثالث: أن من قوي على الوفاء بالنذر فالنذر عبادة ويكون مشروعًا حينئذٍ ، قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } . وقال تعالى: { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . فقد أثنى الله عليهم في كونهم يوفون بالنذر فلو لم يكن النذر عبادة ما أثنى الله عليهم بذلك . وأما قوله: « إنه لا يأتي بخير » . فإن المعني أن النذر إذا بذله المرء فربما لا يعود بالخير على صاحبه لأنه قد لا يطيقه ولا ينفذه أو يتكاسل عنه فيأثم وأما من علم من نفسه الوفاء بالنذر فالنذر في حقه عبادة ولأنه لا يمكن أيضًا أن يكون النذر محرمًا على قول أو مكروهًا على القول الثاني ثم إذا وفّى به صار عبادة وإذا صرفه لغير الله صار شركًا ، هذا لا يمكن أن يقال به فإذا كان النذر مكروهًا فلماذا يفي به . فلذلك القول الراجح التفصيل بالنذر فإذا علم من نفسه قوة على الوفاء به فالنذر عبادة يشرع له أن ينذر ، قال تعالى: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } . وإن كان يعلم من نفسه عدم القدرة أو الضعف أو غير ذلك من الأشياء التي تمنعه من الوفاء بالنذر فالنذر حينئذٍ مكروه ، وهذا نظير الحلف ، والله تعالى يقول: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } ، أي لا تحلفوا لئلا تحنثوا . ومع هذا حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف من غير استحلاف بأكثر من ثمانين موضعًا ، ونظير هذا قوله: « لا تتمنوا لقاء العدو » ، مع قوله في مسلم: « ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق » .