فهرس الكتاب
فالمعنى من قوله: « لا تتمنوا لقاء العدو » ، هذا مَنْ علم من نفسه الضعف خوفًا من أن لا يثبت فيبوء بالإثم والخسران ، وأما مَنْ علم من نفسه قوة فتمنى لقاء العدو مشروع ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمنون هذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغبهم بهذا ، والأخبار بهذا متواترة ، ومن دعاء المؤمنين في الجمعة وغيرها: ( اللهم أقم علم الجهاد ) وهذا لا مانع منه لمن علم من نفسه قوة وثباتًا وصبرًا ، فقد قال أحد الشعراء وهو الخارجي الفجاءة التميمي:
فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع
قولها: [ أفأحج عنها ؟ ] :
في هذه اللفظة دليل على أنه متقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف وإلا لفعلت بدون سؤال ، وكون العبادات توقيفية فهذا مما لا نزاع فيه بالجملة بين أهل العلم .
قوله: « نعم » :
أي حجي عن أمك ، وهذا الحديث عام وهو مقيد عند أهل العلم فيما لو حج المرء عن نفسه ، لأنه لا يشرع للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ، لأنه لا يدري ماذا يعرض له ، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على انه لا يحج عن نفسه وعن غيره في وقت واحد فلا بد أن تقع الحجة عن أحدهما فإن كان لم يحج عن نفسه وأراد في هذه الحجة عن غيره وقعت الحجة عن نفسه .
وفيه دليل على حج المرأة عن المرأة' كما أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل والرجل عن المرأة كما هو قول الأئمة الأربعة ، ولكن هل هذا على وجه الإيجاب أم على وجه الاستحباب ؟ . تقدم عندنا أن مَنْ نذر نذر طاعة وجب عليه الوفاء بذلك ، فإذا توفي المرء وقد نذر أن يحج وجب أن يحج عنه من ماله فإن لم يخلف مالًا استحب لأوليائه أن يحجوا عنه ، وقد ذهب بعض أهل العلم على إيجاب هذا لقوله: « نعم حجي عنها » ، وهذا أمر والأمر يقتضي الإيجاب . وفي هذا نظر من وجهين: -
الوجه الأول: أن الأمر إذا كان عن سؤال لا يكون للإيجاب .