والحديث دليل علىمشروعية رفع الصوت عند الإهلال ، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يرفعون أصواتهم عند الإهلال ، ثم لا يزالون يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح حلوقهم ، قال بكر ابن عبد الله المزني: كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين . رواه أبو بكر بن أبي شيبة وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري .
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم رفع الصوت بالإهلال فقال الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بأن رفع الصوت مستحب غير واجب ، وحملوا الأمر بالحديث على الندب ، وجعلوا القرينة الصارفة للأمر عن الإيجاب هي المشقة ، فإنه يشق على الحاج أو المعتمر أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال إلا إذا حمل الأمر على المرة الواحدة فحينئذٍ لا مشقة فيه ، وذهب الإمام ابن حزم رحمه الله إلى وجوب رفع الصوت بالإهلال وقال بـ (المحلى) : ولو مرة واحدة ، وهذا مبني على قاعدة أصولية بأن الأمر يصدق فعله ولو بمرة واحدة ، وهذا صحيح ، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بامر ولم يدل دليل على قصد التكرار فيصدق أداء الأمر بمرة واحدة ، فعند القائلين مثلًا بوجوب متابعة المؤذن لقوله: « إذا أذن المؤذن فقولوا مثلما يقول » . متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ، صدق حينئذٍ أداء الأمر بمتابعة مؤذن واحد .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابة: « أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا » . رواه مسلم في صحيحه ، أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر أن يؤدى مرة واحدة إلا أن الأقرع بن حابس قال: أفي كل عام يا رسول الله ؟ ، ظن أن الأمر للتكرار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لو قلت: نعم لوجبت » ، فعلم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بالحج قصد المرة الواحدة ، وأن الأمر إذا فعل مرة تم المطلوب ما لم تدل قرينة ظاهرة على قصد التكرار .