ـ سيكون ردّنا في دير الزور مزلزلًا إن شاء الله. اذهبا وبلّغا كل المناضلين للتحرّك فورًا، وأنت يا ولدي مصلح بلّغ تحياتي إلى جماعتكم، وقل لهم على لساني إن التحرّك الآن ضروري ولا يحتمل التأجيل.
عاشت دير الزور مدينة وريفًا وبلدانًا أيامًا وشهورًا قاسية، فالفرنسيون الذين هالهم حجم خسائرهم البشرية ومعداتهم الحربية أصبحوا يضربون في كلّ اتجاه كالمجانين، لم يفرّقوا بين طفل ورجل أو شيخ أو امرأة... لكن الخوف والهلع قد سيطرا عليهم. اعتقلوا وجهاء المدينة وحمَّلوهم مسؤولية تلك الأحداث، ولم يفرجوا عنهم إلا بعد تعهدهم بإنهاء الثورة وتسليم قادتها، وكأن الوجهاء بأياديهم الحل والربط...
اجتمع الوجهاء مع علي بك وحدّثوه بما جرى لهم من إهانة وإذلال وطالبوه بتصعيد الثورة مهما غلت التضحيات.
دخل المضافة الرجال الثلاثة الذين أوكلت إليهم مهمّة إبطال مفعول المتفجرات التي نوى الفرنسيون استخدامها لتدمير الجسر المعلّق، فوقف علي بك، وعانقهم، متسائلًا:
ـ ماذا فعلتم؟
تقدّم إليه أبو رمزي قائلًا:
ـ لقد وفّقني الله في اللحظة الأخيرة على قطع الأسلاك، وإبطال مفعول المتفجرات. الجسر في أمان يا علي بك.
عانق علي بك أبا رمزي قائلًا:
ـ بوركت سواعدكم أيها المناضلون.
قال عمر:
ـ والله يا أبا راغب، لم يَدَعنا أبو رمزي أنا وأخي أن نساعده، كان يقول لنا: أنتما شابان في مقتبل العمر، وأخاف عليكما، أمَّا أنا فإن استشهدت، فستأخذان بثأري حتمًا، وذهب وحيدًا، ووفّقه الله في إنجاز المهمة الصعبة.
قال علي بك:
ـ بطل يا أبا رمزي، بطل... سيذكرك التاريخ وأبناء بلدك، وقد يقيمون لك تمثالًا على باب الجسر، كونك المنقذ الوحيد له.
ـ يا أبا راغب، والله لا أريد تمثالًا ولا شكرًا ولا مكافأة. ما عملته هو واجبي لا أكثر ولا أقل، وقد تمنيت أن أستشهد فألاقي وجه ربي وهو راضٍ عنّي.
النار تحرق الهشيم، خرج الأطفال يحملون أعلام سورية عاليًا، ويهتفون رغم منع التجول وإطلاق الرصاص، أحبّ الشعب الاستشهاد، ومضوا في طريقه غير هيّابين، لا أحد يمنعهم من التضحية، ولا شيء يغلوا في أعينهم سوى حب الوطن والدفاع عنه...