الرَّقة مضرب المثل، والحسكة أسطورة منذ أن أوكلت المهمة النضالية فيها إلى محمد بك، ولم يُجدِ قصف عامودا ورأس العين، فقبائل طيّ وشمّر والجوّالة وغيرها قامت بواجبها الوطني خير قيام، وكان الشيوخ جميل وادهام وسعيد وحمادي من جماعة الحزب الوطني الذي تحوّل إلى جماعة القمصان الحديدية من خيرة القادة الكبار الذي سجّلوا ملاحم نضالية خالدة، كما لم تفلح فرنسا بمحاولة فصل الجزيرة عن الفرات بسبب وعي القادة المناضلين.
قال علي بك للوطنيين في مضافته:
ـ الحسكة أصبحت بيد الوطنيين، والرَّقة بفضل النقيب أديب أصبحت شبه محرّرة، والبوكمال رفعت العَلَم العربي السوري على مبانيها الحكومية، ونحن على الطريق إن شاء الله. كل ما أرجوه أن ننفّذ المهمة النضالية بدقة وأمانة، فيوم الخلاص أراه والله قريبًا.
وحدث ما كان متوقّعًا. في ليلة الثامن والعشرين من أيار 1945 انفجرت بدار الاستخبارات الفرنسية أول قنبلة ألقاها المناضل حسن، وقطعت مجموعته كافة طرقات المدينة بالحجارة، كما قطعوا أسلاك الهاتف، فانقطع الاتصال بين القوات الفرنسية، واجتمعت رجالات المدينة وزعماء العشائر بدار المحافظ غالب، وأخذوا يتداولون الوسائل الكفيلة بالقضاء على القوات الفرنسية، والمظاهرات تعمّ الشوارع، واشتدّت المعركة تسع ساعات دون انقطاع، وانسحب العدو الفرنسي إلى ثكناته خارج المدينة، وما هي إلا لحظات حتَّى رفرفت الأعلام السورية فوق المباني الحكومية والبيوت وعلى المحال التجارية، وهاجمت مجموعة سلطان وياسين الشرطة العسكرية، وألقوا القبض على أفراد الشرطة كافة الذين لم يمهلهم المناضلون، فقتلوهم جميعًا، وألقوا بأجسادهم من الشرفة معلنين بذلك تطهير الجيوب كافة.
لم يقف الفرنسيون مكتوفي الأيدي لِما حدث، فقذفوا المدينة بالمدافع، ونسفت طائراتهم البيوت والمباني الحكومية، ولولا أن قام أحد أبناء المدينة الذي يعمل في المطار بتعبئة الطائرات بالماء بدلًا من البنزين لاحترقت دير الزور كلّها.
قال علي بك مفتخرًا:
ـ إنه البطل أخو نصرة. لقد نفّذ مهمته خير تنفيذ.
وقال المحافظ:
ـ علينا يا إخوتي أن نطلب هدنة لدفن شهدائنا ومداواة جرحانا.
أيّده المناضلون، ووافقت فرنسا على هذه الهدنة، وكان الشاعر الفراتي هو المفاوض نيابة عن الثوار.
قال علي بك:
ـ لقد وجّهنا نداءً إلى الضباط وصف الضباط والأفراد الديريين كافة الذين يخدمون في الجيش الفرنسي للالتحاق بصفوف المقاومة.