قال المحافظ:
ـ لقد التحق بنا عدد منهم وهم ذوو أهمية كبرى لانتزاع الاستقلال. لكن عصبة الأمم قررت إسناد الأمن إلى الجيش الإنكليزي لفترة محدودة.
قال ياسين:
ـ لن تكون إقامتها عندنا إلا كإقامة شقيقتها فرنسا.
قدِمت إلى المدينة بتاريخ 6 حزيران 1945 طلائع الجيش الإنكليزي لاستلام الأمن، كما قَدِمت بعدها لجنة تحقيق إنكليزية طافت على الأماكن والبيوت المهدّمة، فأحصت تسعة وثمانين شهيدًا ومئتي جريح وخمسة وثلاثين بيتًا مهدّمًا.
مرّت الأيام والشهور، وتعاقبت الفصول. رحل الصيف والخريف وحلّ الشتاء مرعدًا ومزمجرًا، وكان الفرنسيون يخلون المواقع، ويطوون أعلامهم، لترفرف أعلام النصر خفّاقة، ويتسلّم الوطنيون أمور بلادهم في صبيحة السابع عشر من نيسان عام ستة وأربعين وتسعمائة وألف.
أقيم سرادق كبير أمام دار الحكومة، رصفت عليه من كل جانب الأعلام السورية، وجلس أئمة النضال فيه، يهنّئون أنفسهم والآخرين بعيد الجلاء.
قال ياسين:
ـ ماذا لو عاد الفرنسيون أو الإنكليز إلى أرضنا؟
قام كبير شيوخ العشائر، وقد رفع عصاه عاليًا:
ـ إن عادوا عدنا...
(وكررها ثلاث مرات) ، فصفّق له الحاضرون طويلًا.
شق صفوف المناضلين ملثّم، فالتهمته الأعين، واشرأبّت له الأعناق... كان يسير بتؤدة، وقد اتّكأ على بارودة فرنسية طويلة، وقبل أن يتحدث، نزع لثامه، وكشف عن وجهه، فشهق الحاضرون، وصاحوا بدهشة:
ـ أم المناضلات؟! كيف جاءت وهي لا تقوى على السير؟!
قالت بهدوء واتّزان:
ـ يا أهلي وإخوتي، يا أبناء دير الزور المناضلة، يا من أنقذتم الشعب الأرمني من الموت، ووقفتم إلى جانبه في كل محنة تعرّض لها، يا من احتضنتم أطفالنا ورجالنا ونساءنا، يا من منحتمونا أسماءكم وشرف الانتماء إلى عائلاتكم الكريمة... كيف لا أحضر في مثل هذا اليوم الخالد؟ّ والله لكَم تمنّيت أن أكون شهيدة لألحق ابنتي إلى دار الحق والرضوان... لكنها مشيئة الله، والحمد لله على كل حال. لم نبخل والله بأي عطاء، وكنا صادقين بالقول والفعل. وصيّتي أن لا تنسوا من بقي حيًا من أبناء جلدتي، وأن تهيّئوا لهم سبل العودة إلى بلادهم إن أرادوا... سيذكركم الأرمن طويلًا طويلًا، فنحن شعب لا يضيع الخير فينا أبدًا، ولا ينسى المعروف إطلاقًا.